نتمنى أن يكون للأمة العربية كيان تذوب فيه الإقليمية، والفئوية، وبقية الانتماءات الأخرى، لكن تحقيق ذلك صعب، لأننا لا نزال نفرق بين الولاء الوطني الشامل، والآخر الذي ينحاز للأسرة وتوابعها القبلية، والحاروية، والقروية، إلى آخر أعمدة التخلف الألف، وحتى نجتاز العقبة الأولى علينا أن نصعد بسلوكنا إلى كتابة الحرف الأول في مبدأ الثقة بشعبنا وتراثنا، وثقتنا بأنفسنا التي هي ركيزة العمل التي تجعل الوطن، ثم الكيان القومي مفردات التواصل والالتقاء.

كثيرة هي التعاليم التي تنادي بأمة واحدة، والمفاجأة ليست بالطرح الكلاسيكي حين تستثيرنا القضايا الكبرى، وتدفعنا الهامشية إلى التعلق بزعيم يصل إلى الحكم في الدول الكبرى، لنعلّق عليه آمالنا في الوقت الذي تاهت بنا الطرق عن تحقيق تجمع عربي يأخذ برأي وهدف واحد تجاه القضية الفلسطينية مثلاً، أو العراق الظاهرة الحديثة، لطرحهما في المحافل الدولية الكبرى كالأمم المتحدة ومجلس الأمن، وحتى لو اتفقنا على بعض الصياغات فهي لا تصمد أمام امتحان أي دولة عربية تصطدم بأخرى كأمريكا، أو إحدى الدول الأعضاء بأوروبا، حتى إن أحد القيادات الأمريكية صرح بالقول إن العرب يحاربون إسرائيل أمام شعوبهم، وبوسائلهم الإعلامية، ومنابرهم الأخرى، بينما نجدهم أمامنا بوجوه مختلفة مدعين أن تلك المواقف للاستهلاك المحلي، أما الأماني، والحقائق فهي التي تلتقي مع هذه الدول الصديقة، المنادية بالسلام والصداقات المفتوحة.

هذه الازدواجية وغيرها والتناقضات الحادة بين الأوضاع الداخلية المحلية والعلاقات المهزوزة، تجعلنا ضحية أنفسنا حتى إن التجاذب بين واقعنا وعلاقاتنا الخارجية، أضاف كشفاً جديداً للعالم بأن لا يعطونا الاهتمام أو حتى التعاطف مع قضايانا لأن عوامل الاحترام ليست متوفرة لعالم متنافر يصوغ أفكاره ومواقفه عكس قناعاته، ومبادئه..

انظروا بالأيام الماضية، ماذا يحدث في محاكمات لبنان، وكيف قُتل ابن عم عرفات وخطف ابنه من قبل أصحاب الخندق الواحد، والقضية، الواحدة، دون إخضاعه لمحاكمة تأتي جزاءاتها وفق القانون لا التصفيات الداخلية..

لسنا متشائمين من الوضع العربي، لأننا على يقين أن الزحف الحضاري الذي غيّر معالم العلاقات الدولية، سيكون أحد المؤثرات علينا طوعاً أو كرهاً، وبالتالي فإن نضج الشعوب صار يسبق الحكومات، وتلك هي الدلالات على أن المستقبل لا يصنعه المتقاعسون والعجزة..