سطرت مصر أمس صفحة مهمة في صفحات تاريخها المعاصر‏,‏ بانتخاب رئيس جديد للجمهورية عن طريق الاقتراع السري المباشر في إطار تعددي حر وديمقراطي‏,‏ لتبدأ مرحلة جديدة من العمل الوطني في كافة المجالات لاستمرار مسيرة التقدم والتطور‏.‏

وتكتسب تجربة الأمس أهمية كبيرة سواء في توقيتها أو مغزاها أو تداعياتها المستقبلية‏,‏ وتحمل في طياتها العديد من الدروس المهمة

أولها‏:‏ أن الشعب المصري بكافة فئاته هو الرابح الأول في تلك التجربة‏,‏ فلأول مرة يمارس المصريون حريتهم وإرادتهم الكاملة في اختيار من يمثلهم ويعبر عن همومهم وقضاياهم‏,‏ وهو مسئول أمامهم ويستطيعون أن يحاسبوه عبر صناديق الانتخابات‏,‏ وبالمقابل يتمتع الرئيس المنتخب بالشرعية والمشروعية الكاملة التي تمكنه من ممارسة مهامه واختصاصته الداخلية والخارجية‏.‏

وثانيها‏:‏ أن الإقبال الكبير أمس من جانب المواطنين علي صناديق الانتخابات‏,‏ والإشراف المحايد لرجال الشرطة‏,‏ والإشراف الكامل للقضاء‏,‏ يمثل صورة حضارية متكاملة‏,‏ ويؤكد حقيقة أن الشعب المصري مؤهل بالفعل لممارسة حقه في الديمقراطية كغيره من بقية شعوب الأرض‏,‏ وأنه يمتلك من الوعي السياسي والنضج ما يمثل خير رد علي مقولات أن الديمقراطية لا تصلح إلا لشعوب بعينها‏,‏ أو أن الديمقراطية والإصلاح يفرضان من الخارج‏.‏

وثالثها‏:‏ أنه قد تولدت قوة دفع جديدة‏,‏ علينا جميعا أن نوظفها التوظيف الأمثل للاستمرار في مسيرة العمل الوطني بنفس الروح والعزيمة علي كافة الأصعدة‏,‏ وهو أمر لن يتحقق بين ليلة وضحاها‏,‏ فإذا كانت الانتخابات الرئاسية تمثل نقطة بداية فإنها تحتاج لمزيد من الخطوات والجهد لمواصلة الطريق‏,‏ لترسيخ الديمقراطية والإصلاح ودفع عجلة التنمية الاقتصادية‏,‏ وهي بلا شك ليست مهمة الدولة والرئيس المنتخب وحده‏,

‏ بل مهمة المجتمع حكومة وشعبا‏,‏ ليعملوا معا في إطار من تغليب مصلحة مصر العليا علي أية اعتبارات أخري‏.‏

ورابعها‏:‏ أن هناك تحديات عديدة لا تزال تواجه المجتمع المصري‏,‏ سواء في استكمال خطوات الإصلاح الدستوري والسياسي‏,‏ أو مواجهة المشكلات الاقتصادية‏,‏ خاصة القضاء علي البطالة ومواجهة ارتفاع الأسعار ورفع مستوي المعيشة وتحقيق معدلات نمو عالية وتحديث الصناعة المصرية‏,‏ وزيادة معدلات الاستثمار والتوسع الأفقي والرأسي وتحقيق مجتمع المعرفة‏,‏ إضافة لتعظيم مكانة مصر إقليميا ودوليا‏,‏

وكلها تفرض علينا جميعا الالتفاف حول الرئيس المنتخب‏,‏ والعمل المتواصل لتحقيق أهدافنا الوطنية‏.‏

وخامسها‏:‏ أن تداعيات تلك اللحظة التاريخية لا تقتصر فقط علي الحاضر‏,‏ بل بالأساس علي الأجيال المقبلة‏,‏ فهي بمثابة صياغة جديدة للخريطة السياسية المصرية‏,‏ ولتفاعلات المجتمع بما يشكل أساسا قويا ومتينا للبناء عليه‏.‏

وأخيرا‏,‏ فإن الكرة الآن في ملعب المجتمع بكافة فئاته ومنظماته ومؤسساته‏,‏ لأخذ زمام المبادرة وتوظيف اللحظة الراهنة والعمل بكل عزم وإصرار‏,‏ لتقدم وتطور مجتمعنا ليسترد مكانته اللائقة به إقليميا ودوليا‏,‏ ويعكس حضارته وتاريخه العريق‏.‏