هل تحكمت التفرقة العنصرية في تعامل إدارة بوش مع كارثة إعصار كاترينا في مدينة نيو أورليانز التابعة لولاية لويزيانا الأميركية؟
من المثير أنه بينما نصبت السيدة كوندوليزا رايس من نفسها محامياً للإدارة الأميركية، وهي ـ أي رايس ـ من السود فإن المخرج السينمائي مايكل مور ـ وهو من البيض الأنجلوساكسون ـ اتخذ لنفسه دور ممثل الاتهام ضد الإدارة.
هذه المفارقة المثيرة تطرح سؤالاً: هل التفرقة التي تمارس ضد الأقلية الزنجية في المجتمع الأميركي ناشئة عن اختلاف اللون والعرق أم عن فوارق طبقية؟ وهل يجوز إسقاط الفوارق الثقافية الحضارية؟ مواطنو مدينة نيو أورليانز يشكلون أغلبية السكان بنسبة 68 في المئة. وبغض النظر عن المجادلات والمجادلات المضادة الدائرة الآن في الأوساط السياسية الأميركية فإن الثابت هو أن الحكومة الاتحادية تباطأت في التعامل مع الكارثة ربما إلى درجة الإجرام.
وهنا نتساءل: هل هو تباطؤ عمد؟ من الصعب تصور اجتماع لأركان إدارة بوش يتوافقون فيه على قول من قبيل: ينبغي ألا نهتم للأمر كثيراً لأن الضحايا أسر زنجية.لكن هل هذا ينفي أن احتقار الزنوج الأميركيين في المجتمع الأميركي العريض يعكس تراثاً ثقافياً سائداً حتى الآن لمدى قرون؟ بالطبع لا، ومسلك مؤسسة السلطة الأميركية تجاه مأساة نيو أورليانز يعكس في الحقيقة النظرة الشعبية للأغلبية البيضاء في الولايات المتحدة تجاه الأقلية السوداء.
مع ذلك لا يجوز إسقاط العامل الطبقي. ولاحظ في هذا الصدد أن التعليقات الصادرة عن الشخصيات الزنجية البارزة مثل القس جيسي جاكسون وعضو الكونغرس وليام جيفرسون تمحورت حول عبارة «السود الفقراء» مما يعكس الفارق السائد بالمفهوم الاقتصادي.. بمعنى أن البيض عموماً يمثلون الطبقة الأعلى بينما تمثل الأقلية الزنجية الطبقة الدنيا. ولا نحتاج للاستعانة بكارل ماركس لإدراك هذه الحقيقة.
هذا مما يفسر لنا موقف شخصية زنجية مثل السيدة كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية الأميركية. فهي من الزنوج القلائل الذين تمكنوا من الصعود إلى الطبقة الأعلى مع الأغلبية البيضاء. وهكذا فإن دفاعها القوي عن إدارة بوش الأنجلو ساكسونية إنما يعكس انحيازها لطبقة البيض رغم سواد بشرتها.صفوة القول أن التفرقة ضد الزنوج في المجتمع الأميركي ليس مردها إلى عامل واحد هو لون البشرة.
إنها مشكلة معقدة تتداخل فيها عوامل عنصرية مع عوامل طبقية اقتصادية وعوامل ثقافية ينظر بموجبها البيض إلى السود كأفارقة لا ينتمون إلى الثقافة الأنجلو ساكسونية الغالبة.إن الدستور الأميركي يحظر التفرقة على أساس اللون أو العرق أو العقيدة الدينية. لكن الدستور شيء والقبول الاجتماعي شيء مختلف تماماً. فمن المستحيل أن يتحكم الدستور في العواطف والمشاعر الفردية وبالتالي النظرة الاجتماعية إلى الآخر.