بانتهاء تصويت المصريين في أول انتخابات رئاسية تعددية، تبدأ مرحلة جديدة في الحياة السياسية، عنوانها دون التباس: فصد الدم الفاسد من الجسد الحزبي الحكومي والمعارض، في سياق معركة اشمل لمحاربة الفساد، وتطهير المجتمع من الفاسدين، وإبعادهم عن مراكز صنع القرار، لضمان نجاح التجربة الديمقراطية ذاتها، ولتهيئة الأجواء لاسترداد عافية الوطن، واستعادة ثقة الجماهير المفقودة في رموز العمل العام، بفعل تراكم ميراث الفساد، الذي زكمت رائحته انف أبو الهول، وأنطقته بعد صمت سبعة قرون ويزيد.

في البداية، يجب أن نعترف بايجابية التجربة، رغم كل ما أحاطها من سلبيات ونواقص، فهي من تجليات البدايات في كل التجارب الإنسانية، فالمصريون رغم قدم وعراقة تاريخهم السياسي، وحياتهم النيابية، انقطعت صلاتهم بالعمل الحزبي الجاد والحقيقية، وتشوهت معانيه وأهدافه في المخيلة الشعبية، طيلة زمن الاحتلال البريطاني، وحتى بعد ثورة 23 يوليو 1952 وأبان فترة انقلاب 15 مايو1971.

ففي زمن الاحتلال، لم يبق من التجربة الحزبية إلا القها على جبهة النضال الوطني ضد المحتل، وظل المواطن المصري مغيبة إرادته، وسرق صوته، سواء من جانب الزعامات الإقطاعية أو ممثلي السلطة المركزية، في قصري عابدين أو الدوبارة، وبينهما مبنى البوليس السياسي، ورصد الأدب الروائي هزل تزوير الانتخابات،

ويكفي أن نشير إلى رائعة توفيق الحكيم «يوميات نائب في الأرياف» حيث كانت صناديق أصوات الفلاحين يقذف بها في الترع والمصارف المائية، ليحل محلها صناديق سابقة التجهيز، لصالح من وضع اسمه سلفا في لائحة نواب البرلمان.لم تختلف الصورة كثيرا، في ظل الحزب الواحد، وظل صوت المواطن مغيبا، إلا في مناطق وبؤر الوعي السياسي والنضال العمالي، وتغلبت ديمقراطية «الحشود» و«السرادقات» على ديمقراطية الممارسة، وعلى صوت المبايعة، والنفاق على صوت النقد.

وانتقل فيروس «الانتهازية» إلى طور فتاك، عندما تلاقح مع آفة الفساد، ولن ينسى التاريخ مشهد تدافع القيادات من الحزب الواحد «الاتحاد الاشتراكي العربي» إلى منبر الوسط بزعامة الرئيس الراحل أنور السادات، ثم إلى الحزب الوطني الديمقراطي، لدرجة قتلت الوزير عبد العظيم أبو العطا كمدا وغيظا في ظلمات السجن، لأنه تمسك بالحزب، ولم يهرول مثل باقي كهنة النفاق، العابرين لكل العصور، والحواجز الايديولوجية.

الآن، قد مضى زمن المزايدات الانتخابية والوعود البراقة، التي ينظر إليها العامة من أهلنا في مصر المحروسة، نظرتهم إلى «كلام الليل» الذي يتلاشى تحت نار شمس الضحى العالي، مثل الوعد بثلاث وجبات يومية مجانية، لكل مصري، وكأن مصر تعيش المجاعة، في حين الأصح أنها تعاني جوعا للديمقراطية والنزاهة والشفافية.دون الوقوع في فخ التهويل والتهوين، لن تخطيء العين، قوة اندفاع وجريان مياه جديدة في نهر المصريين، الذين أفاقوا من غفوة الانكفاء على الذات الفردية والجري خلف لقمة العيش،

لا فرق بين مثقف أو عامل فالكل في الهم سواء. وبعد صمت مفروض وغير محمود، انطلق صوتهم، ولن يصبح بمقدور احد مهما تمترس خلف جبروت سلطة أو ثروة أو جماهيرية كاذبة ان يسكت هذا الصوت الشعبي، الذي لن يقبل أي خداع أو تزوير لإرادته، ولن يرضى بالسير خلف بارونات «البيزنس» الحزبي والسياسي، المستفيدين من استمرار الفساد، ففي ظله تنتعش بضاعتهم الرديئة.

الخلاصة، أن مصر الآن وبعد إزالة لافتات الدعاية الانتخابية بحاجة إلى فترة حوار جاد يستعيد الزمام للعقلانية، وتذويب بقايا المشاحنات الحزبية ووضع إطار وطني ملزم للجميع، بصرف النظر عن المسميات: عقد اجتماعي أو ميثاق، المهم وضع الأولويات وعلى رأسها محاربة الفساد والبيزنس السياسي، الذي يزحم الساحة بالأفاقين والبهلوانات، ويجرف الأرض من البدائل الحقيقية.