تحتفل الأمم المتحدة في دورة سبتمبر السنوية هذا العام بمرور 60 عاماً على نشأتها، وبهذه المناسبة ستنعقد قمة أممية يحضرها قادة الدول الأعضاء يومي 14 ـ 16 سبتمبر 2005. ويتوقع أن تنال هذه القمة أهمية خاصة لا سيما أنها ستعقد بعد مرور خمس سنوات على انعقاد القمة الألفية بالأمم المتحدة عام 2000 التي انبثق عنها إعلان الألفية الشهير الذي طالب بشكل رئيسي دعم الدور الذي تقوم به المنظمة الدولية في ضوء تحديات القرن الحادي والعشرين وفي ظل نظام دولي جديد تترأسه الولايات المتحدة.
وأهمية هذه القمة هي أنها منوطة بمهمتين رئيسيتين هما:
أولاً، تقييم مدى التقدم والالتزام في تنفيذ قرارات القمة الألفية.
وثانياً، دراسة السبل والآليات التي تقود إلى تطبيق مشروع إصلاح الأمم المتحدة الذي قدمته القمة الألفية.
والمعروف أن قضية الإصلاح قد احتدم حولها الجدل في العقد الأخير من القرن الماضي بعد سقوط الاتحاد السوفييتي وانتهاء الحرب الباردة، الأمر الذي ساهم كثيراً في تشجيع العديد من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة بالمطالبة بضرورة إحداث إصلاحات جذرية للمنظمة الدولية.
وأبرز بنود الإصلاح تكمن في إعادة هيكلة الأمم المتحدة لا سيما تلك المتعلقة بمجلس الأمن الدولي، حيث إن المطلب الدولي الأساسي يتلخص في ضم عدد جديد من دول العالم لتتمتع بعضوية دائمة في مجلس الأمن أسوة بالخمسة الرئيسيين والذين يتمتعون بحق النقض (الفيتو) وهم: الولايات المتحدة وبريطانيا والصين وروسيا وفرنسا.
وبهذا الخصوص شكلت كل من اليابان وألمانيا والهند والبرازيل تحالفاً مشتركاً أطلقت عليه (لجنة الأربعة) من أجل العمل بشكل مشترك من أجل نيل العضوية الدائمة بمجلس الأمن، وترك لأفريقيا أمر اختيار من يمثلها. ولكن هناك مشكلات وتحديات كبيرة تواجه مشروع توسيع عضوية المجلس.
فالولايات المتحدة تعترض من حيث المبدأ على منح دول أخرى حق النقض (الفيتو) وتعتبر أن ذلك سوف يعرقل ويضعف من قدرة مجلس الأمن على اتخاذ قرارات داخل المجلس. ولهذا فهي قد تقبل منح بعض الدول العضوية الدائمة في مجلس الأمن ولكن لن تمنح حق النقض (الفيتو) لأي من هذه الدول، بالرغم من أن الدول المرشحة تتطلع إلى استخدام هذا الحق لتأكيد مكانتها الدولية وجدارتها في صنع القرارات الأممية.
إلا أن مشروع إصلاح الأمم المتحدة بشكله العام قد لا يبدو واقعياً في هذ المرحلة، وإن كان مطلباً دولياً، لأن بعض الدول وتحديداً الولايات المتحدة لا ترى الأمر مناسباً لسياساتها واستراتيجياتها ومصالحها الكونية. على العكس تماماً، فالإدارة الأميركية الحالية بزعامة الرئيس جورج بوش تتحدث عن اجراءات مجتزءة تحت مسمى الإصلاح جوهرها يقود إلى استمرار الوضع الراهن الذي هو بدون شك يخدم التوجهات السياسية الحالية لواشنطن، لا سيما توجهات هؤلاء الرموز الأساسيين في الإدارة الأميركية الذين ينتمون إلى اليمين المتشدد.
وقد لا تكون صدفة أن يترأس السفير الأميركي الجديد في الأمم المتحدة جون بولتون، المعروف بعدائه للأمم المتحدة، الذي لم يتردد في تقديم مذكرة إلى الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان يعترض أو يتحفظ على ما يقرب من 750 نقطة بشأن مقترحات متعلقة بمشروع الإصلاح. الأمر الذي سيتطلب وقتاً طويلاً وجهداً كبيراً من قبل الدول الأعضاء في المنظمة الدولية، ناهيك عن احتمال أن تلجأ واشنطن لاستخدام حق النقض الفيتو لإضاعة أية فرصة جادة نحو الإصلاح.
من جهة أخرى، فإن الأطراف الدولية الفاعلة في الأمم المتحدة وتحديداً في مجلس الأمن ليست قادرة، أو غير راغبة في هذه المرحلة، لشن معركة دبلوماسية أو ممارسة ضغوط فعالة وحقيقية على إدارة الرئيس بوش لحملها على تمرير وثيقة إصلاح للأمم المتحدة قد لا يراها صقور اليمين المحافظ في واشنطن مناسبة من منظور المصالح الأميركية، أو حتى المخططات الدولية الخاصة بهم على وجه التحديد.
فهؤلاء الصقور المتشددون في إدارة الرئيس بوش لا يخفون عداءهم القوي للمنظمة الدولية وينظرون إليها بازدراء وتجاهل لاعتقادهم أنها حجر عثرة تعيق حركتهم خارج الولايات المتحدة ولا تتلاءم مع التطورات الدراماتيكية التي يعيشها العالم منذ أكثر من عقد ونصف بشكل عام، وتحديداً بعد أحداث 11 سبتمبر عام 2001،
حيث انقسم العالم إلى قسمين كما صنفه الرئيس جورج بوش (مع أميركا أو ضد أميركا) وبدأ العالم يعيش ظاهرة الحرب على الإرهاب الدولي والسياسة الأميركية غير الناجعة في العراق وفي الشرق الأوسط وازدياد الفقر والبطالة وتفاقم مشكلة مرض الإيدزوغيرها من المعضلات الكبيرة التي يواجهها العالم اليوم.
إن إصرار الرئيس بوش ومستشاريه في الإدارة على تعيين بولتون سفيراً لواشنطن في الأمم المتحدة بالرغم من عدم الحصول على موافقة الكونغرس الأميركي وفي مثل هذا الوقت هو دليل واضح ورسالة للعالم أن الإدارة الأميركية عازمة على تحدي ليس فقط الأمم المتحدة أو الدول النامية والفقيرة، بما فيها دول العالم العربي التي لا تملك تأثيراً فاعلاً على الساحة الدولية، ولكن الدول الأعضاء في مجلس الأمن والدول الغنية الأخرى كاليابان وألمانيا وكندا وغيرها.
وليس مستغرباً أن نشهد قريباً تحدياً أميركياً لأي مشروع إصلاح للأمم المتحدة بعد ما شهده العالم وعاشه في السنوات الستين الماضية من انتقاءات لقرارات دولية معينة على حساب أخرى مثلما حدث للقرارات المتعلقة بالصراع العربي - الإسرائيلي، أو بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 وتحديداً في القرار الأميركي - البريطاني لشن الحرب على العراق بالرغم من معارضة المنظمة الدولية.
لقد شكلت قضية العراق في الأمم المتحدة بداية مواجهة بين واشنطن وحلفائها من جهة والطرف الدولي الآخر من جهة أخرى وهذا لن يكون غائباً عن الأحداث والتطورات التي ستشهدها الأمم المتحدة في الأيام القليلة القادمة، أو عن النتائج التي ستنبثق عن المفاوضات والمناقشات حول إصلاح الأمم المتحدة.
كما أن الامتعاض الأميركي تجاه المنظمة الدولية كان دائماً ظاهراً وواضحاً حيث تجسد من خلال رفض واشنطن الانضمام إلى محكمة الجزاء الدولية التي نشأت في كنف الأمم المتحدة وتعمل على محاكمة الجرائم ضد الإنسانية ومجرمي الحرب، وعملت واشنطن إلى الالتفاف على إجراءات هذه المحكمة الدولية عبر توقيع اتفاقيات مع العديد من دول العالم وخاصة تلك التي تحصل على مساعدات أميركية تقضي بموافقتها على إعفاء المواطنين الأميركيين من المثول أمام المحكمة الدولية في حال ارتكابهم جرائم حرب،
واعتبار ذلك شرطاً لاستمرار تدفق المعونات إلى تلك الدول النامية والفقيرة. وقد لقي هذا الأمر انتقادات دولية واسعة لأنه يحاول أن يعطي الأميركيين حصانة ومكانة لا يتمتع به كل المجتمع الدولي. ناهيك عن الموضوعات الأخرى المهمة مثل البيئة ودرجة حرارة الأرض وانتشار أسلحة الدمار الشامل وتعريف الإرهاب.
وبناء عليه، إن مشاريع إصلاح الأمم المتحدة ومحاولات ضم أعضاء جدد إلى مجلس الأمن الدولي سوف تشهد جدلاً عقيماً في القمة القادمة ويتوقع أن لا يتم الاتفاق على شيء محدد في هذا الشأن وأن يتم ترحيل وتأجيل موضوع الإصلاح إلى المستقبل. وحتى ذلك الوقت ستبقى الإدارة الأميركية الحالية مشغولة في مشاريع إصلاح الشرق الأوسط الكبير.
كاتب وباحث سياسي
isam@hotmail.com