استوقفتني مقابلة أجراها «البيان الاقتصادي» (11/4/2005) مع إحدى المواطنات الإماراتيات اللواتي تبوأن منصباً رفيعاً عادة ما يحتله الرجال، لكن ليس أي رجال، بل أولئك أصحاب الخبرة الذين انقضت سنوات كثيرة من أعمارهم. وما يثير العجب والإعجاب في آن معاً بتلك المواطنة واسمها نورة جمشير، هو صغر سنها وأهمية منصبها، فهي المديرة التنفيذية لبورصة دبي للألماس، وهي الأصغر سناً بين أقرانها والأرجح أن غالبيتهم إن لم يكن كلهم من الرجال.
وفي حديث نورة تضلع بعملها وإحاطة بتخصصها، وفي نظراتها اشراقة وتفاؤل. وفي مايو الماضي، اختارت مجلة نيوزويك (الطبعة العربية) الكويتية مها خالد الغنيم ضمن 42 رجلاً وامرأة «تركوا بصماتهم في نواحي الحياة المتعددة في العالم العربي». وتدير مها الغنيم واحدة من أنجح الشركات الاستثمارية، تخطت أصولها الخمسة مليارات دولار.
وهي خريجة جامعة سان فرانسيسكو العام 1982 تخصص رياضيات، أما عن سر نجاحها فتكشفه في مقابلتها مع جريدة الوطن (13/5) إذ تعلن عن إيمانها بما قاله الرومان: «إذا كنت جريئاً فقد تفشل، وإن لم تكن جريئاً فمن المؤكد ستفشل». نورة ومها نموذجان لوجه جديد للمرأة الخليجية، لصورة أخرى غير تلك الصورة النمطية التي تظهرها عادة وسائل الإعلام والتي غالباً ما تصور المرأة وكأنها «خلقت للاستهلاك والتبضع وارتياد الأسواق وإضاعة الوقت».
العمل والإتقان والمنافسة واحترام الوقت والثقة بالنفس والطموح نحو الأفضل، عناصر أساسية لهذا النموذج من المرأة، وهي ليست قاصرة على أعمال بذاتها بل تشمل مختلف المهن والوظائف كالآلاف من المدرسات والناظرات والطبيبات والمهندسات والموظفات اللواتي يجتهدن لنيل الترقيات والصعود في السلم الوظيفي لأعلى درجاته.
ولا يجد الكثيرات منهن غضاضة في منافسة الرجال على المناصب، بالذات العالية منها، ويقمن من أجل الفوز بها «بلوبي» (أي اتصالات وضغوطات)، ويشعرن بالمرارة والحسرة والتمييز إن هن لم يحصلن عليها بسبب كونهن نساءً. هذا الشعور يجسد «قيمة العمل» في وجدان المرأة الخليجية الجديدة، فقد بات العمل أو بشكل أدق الحياة المهنية (career) عند الكثيرات منهن ليس شيئاً طارئاً في حياتهن، بل أصبح جزءاً من شخصياتهن.
ولذلك نرى هؤلاء النسوة (بالذات صاحبات المناصب العالية) بعد أن يتقاعدن لا ينزوين في بيوتهن بل يبحثن عن فرص أخرى، وفي كثير من الأحيان يكون لديهن أعمال خاصة أو ينخرطن في نشاطات المجتمع المدني. هذا التوجه نحو العمل يسجله التقرير الاقتصادي العربي الموحد (2004) إذ يشير في معرض حديثه عن ارتفاع نسبة مشاركة الإناث في القوى العاملة العربية (حوالي 29%) أن «الارتفاع كان ملحوظاً بوجه خاص في دول مجلس التعاون».
غير أن الأرقام التي يوردها وهي للعام 2002 والتي تشير إلى نسبة تتراوح في المتوسط 20% لا تعكس واقع الحال المتغير. فعلى سبيل المثال وليس الحصر، نسبة مشاركة المرأة الكويتية في القوة العاملة الوطنية تفوق 35%. والمرأة السعودية - كما يقول وزير الإعلام السعودي - «تستحوذ على 30% من الجهاز الحكومي، كما أنها تشكل حصة متزايدة في قطاع الأعمال». (الشرق الأوسط 9/6).
وتقتحم الخليجية مختلف النشاطات الاقتصادية، «فلم يعد عملها قاصراً على وظائف التدريس والصحة فحسب ـ والحديث للنائبة العمانية شكور بنت محمد الغماري لندوة أقامها مركز دراسات الخليج العربي في الكويت 1999 ـ بل تنوعت وغطت العديد من مواقع العمل مثل الشرطة والدفاع». بيد أن هناك مجالات أخذت تطرقها الخليجيات لم تكن تخطر بالبال، خذ مثلاً ما قامت به سيدة سعودية تدعى حصة العون من إنشاء شركة عقارية (الشرق الأوسط 17/3).
ولعل تراكض الخليجيات أسوة بالرجال صوب أسواق الأوراق المالية هو مجال آخر ملفت للنظر. فقد تجاوز عدد المستثمرات في سوق أبوظبي حتى أبريل الماضي 19 ألف سيدة(البيان 14/4). ووصل عددهن في سوق دبي إلى 61718 سيدة في النصف الأول من العام الحالي (البيان 22/7). وبلغ عددهن في الكويت ثلاثين ألفاً. أما في قطر فإن 60 بالمئة من المستثمرين الجدد الذين سجلوا للتداول في السوق لهذا العام كانوا من النساء.
وشكلت السعوديات ما نسبته 10 بالمئة من إجمالي المشاركين في الاكتتاب العام في البنوك المحلية. هذا الواقع الاجتماعي والاقتصادي الجديد دفع هنادي بنت خالد آل ثاني، نائبة رئيس شركة الاستثمار القطرية إلى القول: «إن النساء يلعبن دوراً متزايداً ومهماً في الحقل المالي. إنهن يُعدن صياغة المشهد المالي في الشرق الأوسط» (القبس 11/8).
والأرقام المذكورة ليست ذات تراكمات كمية لا علاقة لها بذهنية المرأة أو سبل تفكيرها واتخاذها للقرارات، بل هي تشير إلى تغيرات نوعية في إدارة المرأة لما تمتلك من أموال وطريقة تدبيرها لها. فقد أشارت البيان (7/3) إلى استبانة وزعت على 100 سيدة يتعاملن في مجال الأسهم في سوق دبي المالي أظهرت بأن 50 بالمئة من المستثمرات يتخذن قراراتهن الاستثمارية الخاصة بعمليات البيع والشراء بأنفسهن، في حين لا تتجاوز نسبة الاستعانة بالزوج 10 بالمئة!!
وما يعزز دور المرأة الجديد وانخراطها في شتى النشاطات هو تقلص الأمية بشكل رئيسي في صفوفها بالذات في دول الخليج العربي الصغيرة، وارتفاع نسبة الالتحاق في التعليم بمراحله المختلفة لمن هن في سن التعليم. فنسبة الأمية في هذه الدول(الإمارات، الكويت، البحرين وقطر) أقل من 20% بالمتوسط بين النساء.
أما نسبة الالتحاق بالتعليم بمراحله المختلفة ـ حسب تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام 2004 ـ فتفوق الإناث الذكور بذلك، وتتراوح نسبتهن بين 84 بالمئة وهي الأعلى(في قطر) و57 بالمئة وهي الأدنى بين هذه الدول وهي في السعودية. ترى كيف سيكون حال المجتمع الخليجي مستقبلاً بوجود مثل هذا النمط من النساء؟؟ هذا ما ستكشفه العقود المقبلة فلنترك لها ذلك.
كاتب كويتي
alyusefi@hotmail.com