أمس توجّه المصريون إلى صناديق الاقتراع، لانتخاب رئيسهم بالأحرى لاختيار الرئيس من بين عشرة مرشحين. وبذلك افتتحت صفحة جديدة في تاريخ الرئاسة المصرية. بل في تاريخ مصر السياسي. فلأول مرة تتاح هذه الفرصة أمام الناخب المصري، في زمن الجمهورية. الرؤساء السابقون الثلاثة جاءوا إما بالتحرك العسكري وإما بالانتقال ـ إلى نائب الرئيس. والتجديد كان يحصل بالاستفتاء من دون منافسة. الانتخاب المباشر بقي غير معروف.

قبل أشهر جاء تعديل المادة 76 من الدستور ليطوي صفحة الاستفتاء ويفتح فصل الانتخابات التعددية المباشرة والذي تم تدشينه نهار أمس. طبعاً العملية، بالصورة التي تمت، استثارت الكثير من الجدل وردود الفعل، مع النقاشات المشحونة بالمآخذ، فضلاً عن الاعتراضات والدعوات لمقاطعة الانتخابات، من باب أنها غير سليمة أو معلبة وغير ذلك من الانتقادات. وقد تكون هذه الأمور مفهومة.

وربما على جانب من الصواب والوجاهة. لكن، وبصرف النظر عن صخب الجدل الدستوري والسياسي الذي شهدته مصر في هذا الخصوص. فإن التحول من الاستفتاء إلى الاقتراع المباشر هو بحد ذاته نقلة نوعية، وتكمن أهميتها وقيمتها في أنها مفتوحة حكماً على التطوير والتشذيب؛ طال الوقت أم قصر على الأقل لأنه لن يكون بالإمكان العودة إلى الوراء. ثم إن هذا الانتقال قد حصل في زمن بات فيه مطلب الإصلاحات ضاغطاً لا فكاك من الاستجابة له؛ بدرجة أو بأخرى، بصورة أو بغيرها.

خاصة في بلد مثل مصر قطع فيه الحراك السياسي شوطاً بعيداً، باتجاه بلورة صيغ سياسية تمثيلية متقدمة؛ لتداول السلطة بالطرق الدستورية السلمية. ولأنها مصر، فهناك جانب مهم آخر لهذه النقلة. فأرض النيل بحكم تاريخها وحجمها، فضلاً عن تجاربها وثقل قرارها؛ كان لمبادراتها، في غالب الأحيان، الطابع الريادي. بالأحرى كان لها شيء من قوة «العدوى» في المنطقة.

من هذا الموقع لعبت مصر دور القاطرة الإقليمية. أو على الأقل هي مؤهلة لتلعب أو لتنهض بمثل هذا الدور. خاصة إذا كانت التجربة أو «البضاعة» من الصنف المطلوب والمرغوب؛ وإذا كانت المناخات السائدة تتقبله؛ أو في أسوأ الحالات لا ترفضه أو تعاديه. فالساحة فيها عطش مزمن للتجديد والتغيير. انتخابات أمس، بهذا المعنى وبصرف النظر عما إذا كانت مشوبة بفجوات ونواقص أم لا؛ تجربة رائدة وخطوة أولى على طريق التجديد، الكفيل بتنقية ذاته بفعل التمرس وبتأثير التفاعل مع رياح العصر ومناخاته وقيمه.