بالأمس أقر البرلمان العراقي محادثاته بشأن الدستور العراقي دون إجراء أي تعديل للصياغة المعدة سلفا، وسيتم طبع خمسة ملايين نسخة من مسودته اعتبارا من الغد لتوزيعها على الناخبين، في تحد واضح لمطالب السنة، ورفض لمطالب شرائح وأحزاب سياسية متعددة. الأمر الذي يطرح مستقبل العراق الآن أمام مستقبل مجهول. لاندري ان كان سيتم تداركه من قبل الوطنيين العراقيين. أم انهم سيستمرون في نهج يهدد وحدة وهوية العراق، وانتماءه القومي والاسلامي.

من هذا المنطلق جاءت دعوة مجلس التعاون الخليجي خلال افتتاح اجتماعات الدورة العادية لوزراء خارجيته امس الى "الحفاظ على هوية العراق العربية والاسلامية". وتأكيده على "ان يستجيب الدستور العراقي لتطلعات الشعب العراقي ويحافظ على هوية العراق العربية والاسلامية ليبقى العراق عضوا فاعلا في محيطه العربي والاسلامي ومنظومته القومية".

المادة الثالثة من مشروع الدستور تنص على أن "العراق بلد متعدد القوميات والأديان والمذاهب وهو جزء من العالم الاسلامي، والشعب العربي فيه جزء من الأمة العربية". وهذه المادة باضافتها للمادة المتعلقة بالفيدرالية تتشكل الصورة القاتمة لمستقبل وحدة وهوية العراق، الذي سيتناثر كتلا واتجاهات تتجاذبها التيارات السياسية والمصالح الضيقة والحسابات الجهوية والمعادلات الطائفية.

مشروع الدستور العراقي بحاجة لمراجعة، مراجعة تضمن وحدة العراق، وتصون استقلاله ووحدة أراضيه الاقليمية، وتفوت على دعاة التقسيم والتجزئة الفرصة، لتفتيت هذا البلد الغني بخيراته المتنوعة، وكوادره البشرية.

الرفض الشعبي لمسودة هذا الدستور لن تقف عند حدود الرفض والتنديد، بل ستتعداه لتغذي ما نخافه على الشعب العراقي، وتهابه طوائفه حتى اللحظة، ألا وهو الحرب الأهلية. صالح المطلك وهو أحد كبار مفاوضي العرب السنة عبر عن هذه المخاوف بامتعاضه من هذا الدستور الحالي الذي وصفه بانه يخلو من الحكمة رغم ما سيترتب عليه إذا أقر بصيغته الحالية. وقال إنه إذا أقر في الاستفتاء فسيقول العراقيون الذين يرفضونه ان النتيجة زورت وسيكون الموقف سيئا على الصعيد السياسي، وقد يخرج الموقف الامني عن السيطرة وإذا رفض الدستور بأغلبية الثلثين في ثلاث محافظات فسيزيد التوتر الطائفي.

حساسية المرحلة التي يمر بها العراق، وفلسفة الحكم التي بشرت بها الحكومة الانتقالية باعتبار النهج الديمقراطي هو ما سيحكم العراق، يبدو العراق أحوج ما يحتاجها الآن، وذلك لضمان عبور آمن نحو المستقبل. وعدم القفز على مطالب الشرائح والفئات العراقية سنة كانت أم شيعية أم كردية.

الإدارة الأمريكية مطالبة هنا بوقفة جدية لعدم ترك العراق يغرق في المستنقع الطائفي والحرب الأهلية، خاصة مع خططها للانسحاب العسكري بعد إقرار مسودة الدستور. لتتحمل بذلك مسؤوليتها التاريخية بخلق اجماع وطني لبناء عراق ما بعد الاحتلال، تجنباً لـ"كاترينا" الدستور الذي يهدد وحدة العراق من جهة وهويته العربية الإسلامية من جهة أخرى.