في ذروة الحرب الباردة بين المعسكرين الاشتراكي والرأسمالي. لم تجد أصوات غير قليلة أي صدى. رغم صراخها بوجع الضمير الإنساني: كيف تتجه كل هذه الأموال الضخمة إلى غير مصلحة الإنسانية. نسبة مئوية قليلة من الموازنات العسكرية كانت كفيلة مثلاً بمنع انهيار الإمبراطورية السوفييتية وإنقاذ ملايين الجوعى في أفريقيا وغيرها.
السؤال يعود اليوم مع رياح إعصار «كاترينا» العاتية: كيف يمكن لدولة فائقة العظم تنفق يومياً مليار دولار على التسلح، ألا تكون في مستوى تايلاند في ما يتعلق بنجاعة احتواء آثار الكوارث الطبيعية.دأب مسؤولو الإدارة الأميركية على التنظير لامكانات بلادهم العسكرية، ولقدرتها على خوض حربين في آن واحد، وأعدوا خططاً لدمقرطة العالم، وضرب البقع الاستبدادية فيه. وكل ذلك تحت شعار واحد «حماية الحرية وحقوق الإنسان».
كل المتخصصين يجمعون على أن الحق في العيش هو سابق على كل صنوف الحقوق الأخرى، وحق العيش يتضمن الهواء والماء والطعام.المشاهد المتواترة من نيوأورليانز تصدم: رضع ماتوا، ومرضى سكري لم يأكلوا لثلاثة أيام فقضوا، عصابات القتل والاغتصاب وجدت مرتعاً مواتياً، أفغانستان تتبرع، وأوروبا تستجيب للاستغاثة الأميركية العظمى وتعد زجاجات مياه للشرب ونصف مليون وجبة غذائية جاهزة.
نعلم ان البشر، مهما عظمت قوتهم، يظلون صغاراً أمام جبروت الطبيعة، لكننا سنظل نستهجن، ألا يرقى إنسان القرن الواحد والعشرين إلى وعي الكهوف حين كان سلم الأولويات التحصن ضد هذا الجبروت.أزمة إدارة بوش الحالية، لا سابق لصعوبتها، فلا شماعة عدو خارجية لتعليق التقصير، ولا مبرر لاستثارة النزعة الوطنية لدى العامة للاصطفاف خلف أجندة خارجية لهذه الإدارة.
الآن سيتحتم على الإدارة الأميركية الإجابة عن أسئلة منكوبي الإعصار المتناثرين بين أكوام الأنقاض والقمامة: أين ذهبت أموال الضرائب.حتى الشرطي الأميركي، كان يعاني هذا المأزق حين تفلت منه بعض الفظاظة في التعامل مع مواطن أميركي، حين كان الأخير يصرخ في وجهه: أنا أدفع لك مرتبك الشهري (من أموال الضرائب) كي تخدمني.
غير ان الجانب الأخطر من المأزق هو ما دفع أركان إدارة بوش إلى الانتشار في مناطق الكارثة.منذ عقود، والتناقض بين الولايات الجنوبية الأميركية والأخرى الشمالية الغنية، يفور أحياناً عبر الصراع بين السلطة الاتحادية والحكومات المحلية.
يشعر الجنوبيون الآن بغبن أكبر بعد التباطؤ في إغاثتهم، ويقارنون تحصيناتهم وجهود السلامة العامة مع الشماليين.الإعصار السياسي الأميركي حالياً ينافس «كاترينا» في شدته، ولمصلحة المنكوبين والعالم ان يبادر بوش مثلاً إلى التبرع بتكلفة خمسة صواريخ نووية وعشر قاذفات عملاقة، ومشروع احتلال المريخ.