في خطوة استباقية عُرفت بها الإنقاذ صدر بمرسوم رئاسي قانون تنظيم العمل الطوعي في الرابع من أغسطس الماضي، أي في أخر عهدها بالشمولية وأول عهدها بالتعددية، وهو قانون أجمعت المنظمات الطوعية من أهل اليمين واليسار على أنه معيب شكلاً ومضموناً، ووصفته المنظمات الأجنبية بأنه استهدف إخراجها من السودان. ولو تجاوزنا السؤال التقليدي: لماذا أقدمت الحكومة في لحظاتها الأخيرة على إصدار قانون لا يتسم بالعجلة أو الضرورة بمرسوم جمهوري؟.
مما يعنى أنه لا بد أن يعرض على المجلس الوطني الجديد الذي يملك حق إجازته أو تعديله أو إسقاطه. لو تجاوزنا هذا السؤال، كيف نتجاوز عن التعهد الذي قطعه رئيس الجمهورية على نفسه في لقائه الجامع مع مئات من منظمات العمل الطوعي الوطنية التي التقى بها في قاعة الصداقة في الحادي عشر من يونيو الماضي والتزم لها بعدم تشريع أو سن أي قوانين خاصة بالعمل الطوعي إلا بعد التشاور مع المنظمات الطوعية الوطنية التي يمثلها إلى حد كبير المجلس السوداني للمنظمات الطوعية (اسكوفا).
وفى ذات اليوم الذي قيل فيه ذلك الكلام كان القانون يرقد في أجندة مجلس الوزراء الذي أجازه على عجل في اليوم الثاني! وتسلل القانون بعد ذلك إلى أروقة القصر الجمهوري دون أن يمر عبر بوابة وزارة العدل شأن كل القوانين والتشريعات الحكومية. واعترف بأن جماعة الضغط التي وقفت من خلف القانون حتى أوصلته مكتب المستشار القانوني بالقصر الجمهوري صاحبة يد طولى وذات سر باتع،
ولكن ليتها أحسنت التصرف في استعمال قوتها الخفية فلم تعرض مصداقية الحكومة إلى تساؤل هي في غنى عنه، في الفترة الحرجة بين شمولية الإنقاذ المنتهية وتعددية الوحدة الوطنية المقبلة. ولم يكن غريبا أن تجهر الحركة الشعبية بالقول إن القانون لا يعنيها في شيء لأنها لم تشارك في وضعه وأن الجنوب غير ملزم بهذا القانون. هل تصب هذه الخطوة الاستباقية في بناء ودعم الثقة بين الشريكين الكبيرين في الحكومة الجديدة؟
يفهم الناس أن تكون القوانين ذات الصبغة الإسلامية (وهى قليلة جداً) معمولاً بها في الشمال فقط حسب بروتوكول ماشاكوس في يوليو 2002م ولكن القوانين والتشريعات الأخرى ستكون قومية التطبيق في كل أنحاء السودان وتحت سلطة الاستئناف في المحكمة القومية العليا.
ولكن بمثل هذا السلوك غير الموفق ستقدم الحركة الشعبية على وضع قوانين خاصة بالجنوب في كل المجالات ويطبقها الجهاز القضائي الخاص بالجنوب ولن تكون هناك قوانين قومية تجمع بين طرفي البلاد وليس في اتفاقية السلام أو الدستور الانتقالي ما يمنعها من ذلك، وكأنما الانفصال قد وقع بالفعل في جانب من أهم جوانب الحياة العامة.
كثر الحديث في الصحف مؤخرا من بعض الأقلام اليسارية تنتقد القانون الجديد وتدعو للتكتل ضده، وبدا وكأن تلك الأقلام هي الجهة الوحيدة التي بادرت بانتقاد ذلك القانون المعيب، وذاك أمر غير صحيح وغير منصف للجهة التي بدأت فعلا تفنيد مواد القانون قبل صدوره مرسوما جمهوريا، وانتقدت ذات النقاط التي دار الحديث حولها في الصحف.
فقد كتب المجلس السوداني للمنظمات الطوعية (اسكوفا) في يونيو 2005م، بعد أن قام بتنظيم حشد ضخم من الجمعيات الطوعية التقى برئيس الجمهورية في قاعة الصداقة، كتب مذكرة ضافية في نقد القانون قدمها لوزير الشؤون الإنسانية ووزير العدل ووزير التقانة ووزير الشباب والرياضة ورئيس المجلس الوطني وكلهم أيد فحوى المذكرة.
وظن حملة المذكرة أنهم قاموا بواجبهم في تقديم النصح الخالص لإخوانهم في السلطة حتى يقوموا بمعالجة عيوب القانون التي أوضحوها لهم وأيدهم فيها عدد من الوزراء المتصلين بالموضوع، وما ساورهم شك في أن نصحهم الذي بذلوه في داخل المكاتب المغلقة دون ضجة أو ضوضاء سيجد حظه من التأثير على القرار حتى فوجئوا بالقانون يصدر كما هو دون حذف أو إضافة!
وليتهم اتبعوا منهجنا في القول الجهير بالحق لا تأخذنا فيه لومة لائم، تبرئة للذمة ومعذرة لله وصونا للدين من أن تصب عليه كل أخطاء انكشارية الإسلام! قالت المذكرة إن القانون خلط بين مصطلح العمل الطوعي الإنساني وبين منظمات المجتمع المدني، فالثاني يشمل النقابات والاتحادات المهنية والفرق الفنية والرياضية والجماعات الثقافية
بل والأحزاب السياسية ولا يمكن لكل هذه أن تحكم بقانون واحد واضطر القانون لاستثناء الأحزاب «وأي هيئة مسجلة بموجب أي قانون آخر معمول به» وما كان أغناه عن ذلك لو اقتصر على الجمعيات الطوعية الإنسانية. رفضت المذكرة الفقرة التي تقول بأيلولة ممتلكات المنظمة التي يلغى تسجيلها إلى وزارة الشؤون الإنسانية واقترحت أن تقوم المنظمة المعنية بإهدائها إلى منظمة طوعية وطنية، وفرض القانون على أي منظمة أن لا تتلقى دعما من الخارج أو من شخص أجنبي في الداخل أو من «جهة أخرى»
إلا بعد التحقق من مصدرها وموافقة الوزير عليها، وقالت المذكرة إن ذلك سيحول دون التبرع لأن الجهة المتبرعة ستتعرض إلى تحقيق حول مصدر أموالها وكأنها محل شبهة قانونية. وجاء في القانون أن المسجل العام للمنظمات يجوز له أن يطلب من المراجع العام مراجعة حسابات المنظمات وكأنها جهاز من أجهزة الدولة مع أن قانون المراجع العام ينص على مراجعة حسابات الهيئة فقط إذا زادت مساهمة الدولة فيها على 20%،
فكيف له أن يراجع منظمات لا تساهم الدولة فيها بشيء؟ أعطى القانون المسجل العام صلاحيات واسعة في إصدار الجزاءات والعقوبات ضد المنظمات تبدأ بلفت النظر وتنتهي بمصادرة الأموال والممتلكات، بما في ذلك رفض التسجيل وإلغاء التسجيل دون أن يعطى المنظمة حق الاستئناف إلى جهة أعلى اللهم إلا الشكوى لرب العالمين! ومن ضمن دواعي رفض تسجيل المنظمة «إذا لم توافق الجهات الرسمية أو الفنية المختصة على ذلك»، ولم يوضح القانون تلك الجهات الرسمية والفنية،
ولكن من منا لا يعرف تلك الجهات! وانتقدت مذكرة اسكوفا المادة 17 من القانون التي تنص على إنشاء اتحاد عام لمنظمات المجتمع المدني حددت عضويته ومقر رئاسته وأن له نظاما أساسيا يوضح كيفية إدارته وحفظ أمواله واختصاصاته، دون أن تذكر من الذي يضع ذلك النظام الأساسي. ولماذا يفرض على منظمات طوعية أن تندرج تحت مظلة اتحاد (حكومي)؟
إن قانون تنظيم العمل الطوعي قانون معيب شكلا ومضمونا وغير قابل للتطبيق العملي في ظل التعددية السياسية والوصاية الدولية المضروبة على السودان، ومن الخير إذن لنواب الحكومة في البرلمان أن يعترضوا عليه قبل غيرهم من نواب المعارضة حتى يبرهنوا على قدر من استقلالية الرأي ويكتسبوا قدرا من المصداقية السياسية أمام الجماهير، ويدركوا أن الزمان قد تغير وأن الحال ما عاد كما كان في منتصف التسعينات فقد (انكسر المرق واتشتت الرصاص)!
كاتب سوداني