لم يفعل التقرير الإجرائي الذي أعلنه ديتليف ميليس رئيس لجنة التحقيق الدولية في اغتيال الرئيس رفيق الحريري واعتقال أربعة قادة أمنيين كبار سوى أن وضع مصير رئيس الجمهورية اميل لحود في مهب الريح. بالأحرى، وضع لبنان في مهب الريح مجددا. فالأزمات التي شهدها لبنان حول الرئاسة كانت دوما مدخلا للصدام الأهلي.

ففي منعطفين بارزين، اندلعت الحرب الأهلية عام 1958 بسبب عناد الرئيس الراحل كميل شمعون وتمسكه بإكمال ولايته وهي الحرب التي تسجلها أدبيات الاحزاب الوطنية بأنها ثورة العام 1958. وحرب العام 1975، ارتبطت في جزء من أسبابها الظاهرة بأزمة سياسية حول موقف الرئيس الراحل سليمان فرنجية من المقاومة الفلسطينية.

وهو الموقف الذي تسجله أدبيات الأحزاب المسيحية بأنه انتصار لهيبة الدولة. منذ ذلك الحين لم يشهد لبنان استقرارا للرئاسة الا برضا سوريا ومباركتها. ومضت دمشق إلى ابعد من ذلك عندما فرضت التجديد للرؤساء المفضلين والموالين لها بحكم الدستور مرتين. الأولى مع الياس الهراوي عام 1993 والثانية مع اميل لحود في 2003.

هل يعني هذا ان اللبنانيين غير قادرين على إدارة بلدهم دون قوة خارجية تفرض عليهم التوافق؟.

هذه إحدى معضلات لبنان، وخروج سوريا بعد 30 عاما من الحضور القوي والمؤثر في لبنان بات يطرح على اللبنانيين مهمة أساسية هي تحصين نظامهم من التأثير الخارجي ايا كان مصدره. ان الجغرافيا السياسية لا ترحم أحياناً وما من بلد يمكن ان ينجو من تأثيراتها بسهولة. سوريا نفسها كانت حتى انقلاب الرئيس الراحل حافظ الأسد عام 1970 موضع تجاذب بين النفوذ المصري والأميركي والعراقي أيضا.

العراق منذ سقوط نظام صدام حسين يعطي مثالا واضحا على الدور الذي يمكن ان يلعبه الجيران الأقوياء. السودان مثال حي آخر، لكن اللبنانيين أكثر من بإمكانهم ان يستوعبوا هذه الدروس. المحنة الكبرى الان التي يعيشها رئيس الجمهورية هو ان قادته الأمنيين الكبار متهمون أو مشتبهون في جريمة كبرى تصل تبعاتها إلى حد الخيانة العظمى. وكلا الاحتمالين بان يكون بريئا من المشاركة (تمت الجريمة دون علمه) أو العكس لا يفيد شيئا لان مسؤوليته أصبحت أخلاقية قبل كل شيء.

حقا ان لبنان يعيش تغييرا حقيقيا، فهي المرة الأولى التي يتم التحقيق فيها في جريمة اغتيال بهذه السرعة وبقرار من الامم المتحدة. وهي المرة الأولى أيضا التي يشار فيها إلى المشتبهين بهذه السرعة ايضا (بضع شهور). والحزم الواضح في تعامل الأجهزة القضائية والأمنية مع المشتبهين أمر غير مسبوق أيضا، ففي الماضي كان الجناة يسرحون ويمرحون في قرى نائية أو خارج لبنان بعد فترة من الاختفاء عن الأعين.

وهي المرة الاولى التي يتعامل فيها اللبنانيون مع قضية مصيرية من دون وجود القوات السورية على أراضيهم وبعيدا عن تأثير دمشق القوي. وهي المرة الأولى أيضا التي تصبح فيها الرئاسة متهمة بهذه الدرجة من الخطورة ورئيس الجمهورية مكشوفا إلى هذا الحد.

ماذا بقي اذا لكي تكتمل ملامح التغيير نحو لبنان جديد؟.

وصول الشبهات إلى مؤسسة الرئاسة قد يمثل فرصة أخرى للتغيير، «فرصة لتحقيق نقلة ايجابية في الوعي والممارسة الوطنيين، وإما تكون مناسبة لانفلات حروبنا الصغيرة» مثلما ترى نهلة الشهال. (تقرير ميليس: حول الجريمة و..الجرائم- الحياة 4 سبتمبر).

في مقالها ذاك، تحذر الشهال من «الجنوح إلى توسيع دائرة المطاردة لتشمل أجواءهم (المشتبهين) السياسية والاجتماعية وهي ليست شريكة في الجريمة باي حال من الأحوال» وترى ذلك «حماقة قد يقع البعض في اغوائها». اما الأمر الثاني الذي تحذر منه فهو «الا تربط نتائج التحقيق في اغتيال الرئيس الحريري بملفات أخرى ليست في صلبها».

الإشارات غير المطمئنة هنا هو ما يتردد عن اتجاه لترشيح الجنرال ميشيل عون بل وحتى زعيم القوات اللبنانية سمير جعجع للرئاسة في حال اقدم البرلمان اللبناني على إقالة لحود.ايا كانت درجة الصحة في هذا من عدمه، فان هذا خيار سيء للغاية يدخل في سياق عملية الثأر التي حذرت منها الشهال وهي في كل الاحوال لن تخرج عن كونها مراوحة وتلكؤاً في الانتقال من الماضي. ان عبور هذا المنعطف يتطلب رؤية جديدة مغايرة تماما وبعيدة عن كل الحسابات والقوانين غير المكتوبة التي حكمت لبنان.

وطالما ان الحديث الآن عن منصب رئاسة الجمهورية، فان هذا يتطلب بالدرجة الأولى شخصيات جديدة ليس لها ماض مثقل مثل عون وجعجع. لعل هذا يقودنا إلى معضلة لبنانية اخرى هي ان التيارات السياسية اللبنانية عصية على التجديد لان السياسة مطأفنة في لبنان بامتياز. وان يقول المرء ان على الطوائف اللبنانية ان تتجدد فهذا امر قد يبدو حلما، لكن من قال ان لبنان لا توجد فيه كفاءات ولا قياديين أصحاب رؤى خارج هيمنة الطوائف ومصالحها؟.

العبرة هنا واضحة، فعلى اللبنانيين الاّ يجعلوا من تقرير ميليس وتبعاته مدخلا للتأثير الخارجي عندما يحولونه إلى عنصر تأزيهم لوضعهم الداخلي اذا استخدموه أداة لتصفية الحسابات أو الحصول على المكاسب. وان يصبح مصير لبنان معلقا على التقرير، فان هذا لا يكشف هشاشة السلم الأهلي فحسب بل ضعف الدولة واغترابها عن شعبها. الم يحن الوقت بعد لكي يدرك الزعماء اللبنانيون ان تقوية السلم الأهلي هو المدخل نحو لبنان معافى وقوي واستقلال حقيقي؟.

كاتب بحريني