تمثل كل من الحرب الأميركية على العراق واعصار كاترينا حدثين مأساويين مدمرين لم يشهد لهما العالم مثيلاً في العقود الأخيرة، لذا يزداد في الأيام الأخيرة المقارنة بين الحدثين إما من حيث الآثار والنتائج المدمرة لهما، أو من حيث مسؤولية ادارة الرئيس بوش الابن عن سوء التقدير، إن لم يكن التقصير في جدية التعاطي مع الحدثين المأساويين.

وفي اعتقادي أن المقارنة بين الحدثين مفيدة لمناقشة بعض نقاط التشابه والاختلاف بينهما. فأما أهم جوانب الشبه فهي أولاً: الآثار الانسانية المفجعة التي خلفها كلا الحدثين من حيث كبر حجم عدد الضحايا من القتلى والمشردين. ففي حالة الحرب على العراق كان معظم العراقيين ضحايا، حيث كان خيار الفرار من أرض المعركة محدوداً، لأن كل أرض العراق كانت مستباحة للقوات الأميركية الغازية.

ولكن في حالة اعصار كاترينا فرّ كثير من السكان الميسورين والقادرين على الخروج من مدينة نيو اورليانزالتي كانت مهددة بالاعصار، ولذا كان معظم الضحايا والمشردين من فئات الطبقة الفقيرة خاصة الأطفال والنساء، وعلى وجه الخصوص من الفقراء السود الذين يمثلون أكثر من 70% من سكان المدينة المنكوبة، ولقد ندد بعض القادة الأميركيين السود وأعضاء من الحزب الديمقراطي بالجوانب العنصرية وغير الانسانية في عدم اخلاء جميع سكان المدينة قبل الاعصار لتفادي اضراره البشرية المدمرة.

الجانب الآخر من أوجه الشبه بين الحدثين هي حالة الانفلات الأمني، فبعد سقوط بغداد عانت العراق من انهيار مؤسسات الدولة الأمنية وغيرها بما فيها الجيش، وشجع ذلك على أعمال النهب والسرقة بما في ذلك سرقة الوزارات والأجهزة الحكومية والمتاحف والمحلات الخاصة، ومن المؤسف ان المشهد تكرر في المناطق المنكوبة في ولاية لويزيانا، فانتشرت أعمال السلب والنهب،

الأمر الذي دفع الرئيس الأميركي إلى التصريح العلني على شاشات التلفزيون بضرورة عدم التعامل بأي نوع من الرحمة مع اللصوص والخارجين على القانون. ويبدو من ملامح الرئيس الأميركي أنه كان مستاء من حالة الانفلات الأمني في نيواورليانز. ولكن من المفارقات العجيبة ان الرئيس الأميركي نفسه لم يشعر بنفس المرارة والاساءة حول نفس أوضاع السلب والانهيار الأمني خلال غزو العراق، وجنوده يراقبون ببرود حالات السلب والنهب في المدن العراقية بعد احتلالها من قبل الجيوش الأميركية.

وجه الشبه والمقارنة الثالث للحدثين المأساويين هو حجم الخسائر المادية، فبينما قدرت حجم الخسائر الأميركية المباشرة في الحرب على العراق بحوالي 200 مليار دولار، هناك تقديرات متفاوتة لحجم خسائر اعصار كاترينا تتراوح بين 70 و120 مليار دولار، وحجم خسائر كلا الحدثين كبيرة بكل المقاييس، وستكون لها تداعيات سلبية طويلة المدى على الاقتصاد والخزينة الأميركية.

ولكن مرة أخرى في المقارنة تغيب تقديرات خسائر العراق والعراقيين والتي قد تصل إلى حوالي آلاف المليارات من الدولارات، بعضها خسائرمباشرة تشمل تدمير البنية التحتية للمدن العراقية، او الخسائر غير المباشرة والمتمثلة في شبه توقف الصادرات النفطية العراقية وغيرها من الأضرار غير المباشرة التي لحقت بالاقتصاد العراقي.

آخر أوجه الشبه بين الحدثين المأساويين هو سوء تقدير الادارة الأميركية للآثار وضعف الاستجابة لمعالجة النتائج المفجعة. ففي الحالة العراقية كانت النصائح العربية والأوروبية هي انه على الولايات المتحدة الأميركية ألا تقدم على غزو العراق في حرب غير مشروعة ومخالفة لكل الاعراف والقوانين الدولية، ولكن الولايات المتحدة قدمت مبررات ملفقة عن التسلح العراقي، وفرضت على مجلس الأمن رؤيتها،

وشنت حرباً عدوانية تخالف الاخلاق والمواثيق الدولية، ونتج عن تلك الحرب آثار مأساوية، حتى مع سقوط نظام صدام حسين السريع وفرض الاحتلال على العراق فإنه (أي العراق) لم يستطع تجاوز تلك الآثار حتى الآن. وفي المقابل في حالة اعصار كاترينا كانت الأرصاد الجوية تراقب تحرك الاعصار نحو الشواطئ الجنوبية لولاية لويزيانا، وكانت التقديرات دقيقة في ان الاعصار سيضرب مدينة نيواورليانز، وأن الاعصار سيكون مدمراً، ومع هذا كله ظلت الادارة الأميركية تراقب تطورات الأوضاع والحدث بقليل من المبالاة.

وبعد ان خلف الاعصار الدمار وجعل من الولاية ومدنها منطقة منكوبة جاءت عملية الانقاذ بطيئة، لأن الحدث كان أكبر من الاستعدادات والامكانيات التي تم تجهيزها لمواجهة الحدث، ولذا لم يجد الكونجرس الاميركي بداً من الحديث عن فتح تحقيق لمراجعة مدى تقصير الادارة الأميركية ورئيسها بوش الابن في مواجهة أخطار الإعصار وإدارة جهود الاغاثة للمنطقة المنكوبة.

أخيراً بقي أن نقول إن أهم أوجه الاختلاف بين مأساتي الحرب الأميركية على العراق واعصار كاترينا هي ان قرار الحرب على العراق كان بيد الرئيس الأميركي، وبالتالي كان يمكن تفادي اضراره المأساوية على العراقيين والمنطقة، لو تحلى الرئيس بوش بالحكمة وابتعد عن نصائح صقور اليمين المتطرف في الإدارة الأميركية المحرضة على الحرب والعنف ضد العراقيين. ولكن الرئيس بوش أصر على اللجوء لخيار الحرب وغزو العراق وتدمير مدنه وقتل أبنائه وتشريد أطفاله.

أما في حالة الاعصار كاترينا، فإن الحدث مأساة طبيعية لا تدخل فيها للإرادة البشرية، الا بالتقصير في اتخاذ الاحتياطات اللازمة وعدم إجلاء جميع السكان (حتى الفقراء السود) قبل وقوع المأساة، طالما أن الحدث كان مؤكد الوقوع، ولذا فإن مسؤولية الإدارة الأميركية عن مأساة الحرب على العراق مباشرة، أما في حالة الاعصار كاترينا فإن المسؤولية غير مباشرة، وربما تدخل فيها عوامل التقصير وسوء التقدير وليس ارتكاب المأساة ذاتها.

كاتب سعودي