العلاقات بين السلطة الفلسطينية وفصائل المقاومة المسلحة وبالتحديد حركة «حماس»، أخذت شحنة من التصعيد في اليومين الأخيرين. وهو تصعيد نوعي غير مسبوق بدرجته وبعلنيته. فلأول مرة يتم التراشق بين الفريقين بلغة الاتهامات المتبادلة، ب«زرع بذور الفتنة»!
الخطورة في هذا الخطاب تتمثل في أمرين: طبيعة التهمة والتوقيت، الفتنة كانت دوماً أحد الخطوط الحمر الفلسطينية الممنوع، بل المحرم تجاوزها.
تردد الالتزام بهذا الثابت على كل لسان فلسطيني في أكثر من محطة أو ظرف دقيق، وفي أكثر من لحظة حرجة وفاصلة. جرت محاولات لا حصر لها ومورست ضغوط هائلة وجرى تقديم مغريات «سخية»، للايقاع بين القوى الفلسطينية وقواعدها.كلها انتهت الى الخيبة، بفضل وعي الجميع للمخاطر والالغام وبفضل الثقة المتبادلة بأن الساحة محصنة ضد الإنزلاق الى هذه الهاوية وأن أياً من الأطراف الموجودة لن تنجر الى الوقوع في مخالب هذا الشرك.
فجأة، بدا وكأن هذا الالتزام قد تبخر. كل واحد من الفريقين يتهم الآخر بأن هناك «جهات» لديه تعمل على التأسيس لفتنة.السلطة ترى أن إعلان «حماس» عن أسماء قادتها العسكريين ورتبهم في القطاع، هو «استفزاز»، على اعتبار أنه ينطوي على نية أو خطة لمزاحمة السلطة في غزة وإقامة سلطة ثانية بموازاتها. «حماس» ردت بأنه ليست هناك نية للاستفزاز، وأن كل ما في الأمر لا يتعدى «الترتيب الإداري» الذي يهدف الى «إبراز دور المقاومة في إجلاء المستوطنين عن القطاع».
وما يزيد المشهد سوءاً وأذى أن هذا التلاسن يحصل عشية رحيل القوات الإسرائيلية من غزة، بعد فراغها من تدمير بقايا المستوطنات الخالية. وكأن في الأمر مزاحمة بين الجانبين على سد الفراغ. وهي مزاحمة محفوفة، اذا ما بقيت على حالها، بخطر الاحتكاك الميداني، سيما وأن الأجواء محقونة بما فيه الكفاية.
ليس سراً أن هناك خلافات عميقة ومزمنة بين الجانبين. لكن دائماً كانت العلاقات محكومة بقانون التعايش وكان من المفترض، بل المنطقي، أن تتعزز روح التعايش والالتفاف حول القواسم المشتركة الأساسية، في وقت انقلع فيه الاحتلال ولأول مرة، من أرض فلسطينية.
كان من المتوقع أن يؤدي هذا الواقع الجديد إلى تزخيم العمل الوطني المشترك ونقله بثقل أكبر، إلى الساحة الجديدة المهمة ساحة الضفة الغربية، حيث يتقرر هناك مصير إقامة الدولة وإزالة الاحتلال.في أية حال، مازالت الفرصة متاحة لتوظيف خطوة غزة. لكن لن يكون ذلك بالميسور قبل المسارعة الى اسقاط هذا التراشق وإعادة النظر بالحسابات والسلوكيات، قبل فوات الأوان.