ليس بخاف على أحد أن الوضع العربي يزداد سوءاً وتشرذماً حتى إن البعض يقول: إنه وضع ميئوس منه ولا أمل واعداً، لإمكانات نهوضه، في وقت أصبح فيه الجميع في قلب الخطر، في حين يرى آخرون أن الصورة ليست سوداء إلى هذه الدرجة أو تلك، وهي بالتأكيد ليست بيضاء، وإنما رمادية، يمكن التعامل معها وإضفاء شيء من البريق لها، إذا خلصت النيات، وانعقد العزم على قلب معادلة الضعف لجهتي التصويب والنهوض.

ولعل التداعيات التي أفرزتها ظروف الوهن، قد خلقت انكساراً مؤلماً في الجسد العربي، وزادت في إحباط الجماهير العاتبة على زعاماتها التي لم تُفعّل جهودها، لترجمة قرارات القمم العربية على الأقل وتدفعها إلى حيز التنفيذ.. لكن كل هذه الكبوات يمكن في هذه الظروف الحرجة، أن تكون عاملاً مساعداً لتأكيد الذات العربية وعقدالعزم على أن هذه الكبوة لن تتكرر، ما دامت هناك إرادة واعية لحجم التحديات، ولحقيقة المخاطر التي لن تستثني أحداً. ‏

صحيح أن لمسيرة العرب منذ خمسين عاماً تجارب منغصة ومؤلمة، لكن تبقى هناك حقيقة مؤكدة، هي أنه لا سبيل أمامنا إلا رأب الصدع بسرعة.. فالضمير العربي يجب أن يستفيق من سباته، ليستعيد العرب دورهم وقدرتهم على التأثير بمجريات الأحداث.. وهذا بالضبط ما كانت تريده سورية، عندما كانت تطالب أشقاءها بالتلاحم لتجسيد إرادة الأمة، بدافع الواجب القومي، والعمل بين الأشقاء على قاعدة الجسد الواحد والمصير الواحد والآمال والآلام المشتركة.. إذ كم هو معيب بحق الأمة، أن يهرول البعض إلى التطبيع مع «إسرائيل» وكأن النجاة مستحيلة بغير ذلك!! في الوقت الذي لم نلحظ فيه تكاتفاً عربياً جدياً في قضايانا العربية الهامة أو حتى المصيرية كالقضية الفلسطينية على سبيل المثال! وكم من القضايا العربية الأخرى التي يتلهى البعض عنها، ولا يعيرها أي بالٍ كالأمية والتنمية والمشروعات المشتركة والدينار العربي.. إلخ. ‏

الشواهد كثيرة على التراخي العربي والاستهتار بالمستقبل الذي تسعى الأمم إلى استقرائه ووضع التصورات الملائمة للأجيال.. وهذا ليس مستحيلاً على أمة عريقة تمتلك كل مقومات البقاء والنجاح، لكن الأمر مرهون بالعرب أنفسهم، وهم الأقدر والأجدر بحل مشكلاتهم إذا كانوا موحدي الموقف والقرار. ‏

نحن نأمل في هذه الظروف الحرجة أن يرتقي العرب إلى مستوى التحديات والمسؤوليات القومية، لأنه مهما حاول البعض التغريد خارج السرب فلن يكون لعمله شأن يذكر، فالمصير واحد وهذه بدهية ثابتة لا جدال فيها.‏