تشهد الصحافة اليمنية والصحافيون شتاءً قاسياً في موسم الخريف. معروف أن الخريف في اليمن يبدأ من 12 أبريل وينتهي في 12 من سبتمبر، ومعروف أن الخريف في اليمن هو موسم الصيف في مدن الأبيض المتوسط، وهو موسم جني الفاكهة. في فصل الخريف الذي تحول إلى شتاء قاسٍ للصحافة والأقلام اليمنية أتى شتاء الإجراءات القامعة على معظم وأهم صحف المعارضة والصحف الأهلية المستقلة.
كانت الضحية الأولى أو الورقة التي أسقطها الشتاء صحيفة الشورى التابعة لاتحاد القوى الشعبية. وطال الإجراء القمعي «اتحاد القوى الشعبية» الذي نسب إليه ظُلماً تمرد الحوثي في جبال صعدة. وتعرض الحزب لما يشبه الانقلاب؛ فقد استولت حراسة المقر عليه، وباركت «لجنة الأحزاب الحكومية» الانقلاب. بينما سجن الخيواني رئيس تحرير الصحيفة مدة ستة أشهر، وقامت أجهزة الحكم باستنساخ الشورى قبل الاستيلاء نهائياً على الحزب والمقر والصحيفة، وتحويلها الى صحيفة تابعة.
أما «الثوري» الناطقة باسم الحزب الاشتراكي فقد كان عقابها مزدوجا؛ فقد وصلت القضايا المرفوعة على الصحيفة في المحاكم إلى اثنتي عشرة قضية بعضها يعود إلى القرن الماضي. والجرجرة إلى النيابة، وإقامة الدعاوى الكيدية أسلوب ورثه الحكم من نظام الإمامة الذي جعل « التقاضي» أمام المحاكم سلاحاً فتاكاً؛ لنهب الثروات والتنكيل بالخصوم.
وقد تعرضت قيادة الحزب للتهديد؛ مما دفعها إلى إيقاف الصحيفة، ومراجعة خطها الذي لم يسلم من النزق والوقوع في أخطاء تبرر التنكيل بالصحيفة. ولم تكن صحيفتا «الوحدوي» الناصرية و «الإحياء» البعثية بعيدتين عن فخاخ التحقيقات والمحاكمات الجائرة. صحيفة الوسط صحيفة أهلية مستقلة حديثة النشأة تعرض رئيس تحريرها جمال عامر للاختطاف، والضرب، وهدد بالموت!
وسرق جهاز الكمبيوتر الوحيد الخاص بصحيفة النداء الذي مازالت تقسط قيمته، وكذلك أرشيفها، وهي صحيفة أهلية مستقلة وحديثة الصدور. كما سرق مكتب مراسل الأسوشيتدبرس: أحمد الحاج. وكان مكتبه ومكتب صحيفة النداء قد تعرضا لرقابة أمنية مكشوفة واختطف أحد العاملين في المكتب.
وكان أخطر ما في موسم الشتاء الباكرمحاولة قتل الصحافي هاجع الجحافي في صحيفة «النهار» الأهلية بإرسال ظرف ملغوم انفجر في وجهه. كما اختطف مراسل صحيفة القدس العربي. وأوقفت صحيفة الأسبوع بسبب موضوع اعتذرت عنه. ترافق ذلك مع حملة مسمومة ضد الصحافة والصحافيين وصلت حد الطعن في الأعراض من قبل صحف محسوبة على الحكم كما حصل مع الصحافية «رحمة حجيرة» وزوجها حافظ البكاري (أمين عام نقابة الصحافيين).
وقامت الصحيفة الرسمية الثورة بتخوين المراسلين، وكتاب الأعمدة متوعدة بشق النقابة الصحافية إن هي سارت في طريق (تحالف المجتمع المدني المناصر للحقوق والحريات)؛ وهو تحالف تحت التأسيس يدعو لمؤازرة الحريات الصحفية والحقوق المدنية. والسؤال الفاجع ما أسباب استشراس المواجهة ضد الصحافة والإجراءات الوحشية ضد الصحافيين ؟
الواقع أن الاحزاب السياسية على كثرتها ووجود أحزاب قوية معارضة كالتجمع اليمني للإصلاح تتوزع بين المعارضة والمساومة، وهي أقرب للمساومة . ثم إن الحريات الديمقراطية ليست مطلباً رئيسياً لغالبية هذه الأحزاب التي لم تستطع أن تجسدها أي (الديمقراطية) داخل أحزابها قبل أن تعمل على تجذيرها في الحياة العامة؛ فهناك قواسم مشتركة لها مع الحكم وبالأخص تجمع الإصلاح.
ولعل الاضطرابات الدامية الأخيرة إشارة واضحة لعجز هذه الأحزاب عن قيادة الاحتجاج السياسي ضد فساد الحكم واستبداده، واعتدائه على أقوات الناس وحياتهم. يعتقد الحكم ـ وقد يكون محقا ـ أن معركته مع الأحزاب السياسية مقدور عليها، وتمتلك الدولة اليمنية خبرة مدهشة في المساومة مع قيادات هذه الأحزاب.
ويرى الحكم أن الصحافة والصحافيين هم الخطر؛ فقد تصدت هذه الصحافة ـ على حداثتها ـ لوحش الفساد، ووباء الاستبداد، وفضحت بشجاعة مواقع الفساد، وسياسات التوريث المتبعة في كل مفاصل الحكم، كما أماطت اللثام عن الفساد المستشري بالأرقام؛ فالمعركة في اليمن بين الاستبداد والفساد من جانب، والحريات الصحافية في الجانب الآخر. وتستقوي الصحافة أو بالأحرى تعبر عن مزاج شعبي عام شديد الغضب حتى التفجر، ولاتجد الدولة غير سلاح القمع، والترويع، والمسخ لإيقاف عفريت انطلق من القمقم.
كاتب يمني