إن عدم قدرة الإنسان الأول على اكتشاف وتفسير الجزء الأكبر من أسرار الكون والحياة دفعه إلى اكتشاف وخلق واعتناق أديان مختلفة. إلا أن الإنسان تجاوز معظمها مع حدوث التقدم وتمكن العلم من تفسير الكثير من الظواهر الطبيعية المحيرة للعقل. ولقد لعب الدين ولا يزال يلعب أدواراً مهمة ومتعددة في حياة الإنسان.

وذلك من خلال تقديم تفسيرات مرضية لأسرار الكون والحياة التي ما زالت بعيدة عن متناول العلم، وإمداد الإنسان بمنظومة شبه متكاملة من القيم والمعتقدات والشرائع المنظمة للسلوك والعلاقات الاجتماعية. وهذا ساهم بفاعلية في تنظيم حياة الإنسان وجعلها أكثر أمنا واستقراراً من النواحي النفسية وأكثر عدالة من النواحي الاجتماعية والاقتصادية.

إلى جانب ذلك، قام الدين عامة، خاصة قبل نشوء الدولة وفي عصور ضعفها وفقدان الثقة بها، بدور القانون الأخلاقي الذي ساهم في تنظيم بعض أوجه الحياة في المجتمع وساعد على الحدّ من الفقر والجريمة والانحراف. وحيث أن الديانات جميعا تميل بطبعها إلى الادعاء بأنها تمتلك حقائق أزلية من صنع آلهة ذات قدسية،

فإن القيم والمعتقدات والأفكار والتشريعات الدينية أصبحت جوهر الثقافة وبوتقة العلم. ولما كانت الحقائق الموحى بها من قبل الإله ثابتة وغير قابلة للنقض، فان الثقافة عامة أصبحت أكثر ميلاً للثبات والجمود وضعيفة القدرة على التطور والتحول تمشياً مع التطورات الاقتصادية والتكنولوجية في المجتمع، كما أصبح العلم، ولقرون طويلة، يدور في فلك التفسيرات الدينية والمعتقدات الغيبية.

قامت الديانات في تفسيراتها لأسرار الكون والحياة بدعوة الإنسان إلى التأمل في الحياة وليس إلى التجربة العملية لاكتشاف قوانين الحياة، والى اللجوء إلى التخيل وليس إلى التفكير الواعي، والى الخوف من الخطأ وليس إلى التعلم من الخطأ، والى الاستسلام لما بعد الحياة والعقل وليس إلى التمتع بالحياة والاعتماد على العقل.

وهذا قاد إلى سيطرة الدين على العلم، كما أدى إلى خلط العلم والخرافات والأساطير الشعبية والدين بعضها ببعض، خاصة وأن الكثير من الخرافات والأساطير كانت قد ظهرت وانتشرت كأشياء مقدسة قبل ظهور الديانات السماوية. وهكذا أصبح من المتعذر معرفة ما هو ديني وما هو خرافي، ومن المحظور أحيانا قيام العلم بالبحث عن الحقيقة في ثنايا المفاهيم الغيبية والأساطير الشعبية السائدة.

ونتيجة لذلك أصبح البسطاء من عامة الناس أكثر قابلية لتصديق ادعاءات وخرافات لا يمكن التأكد منها أو إثباتها علميا، واقل قابلية لتصديق أشياء وأحداث يمكن مشاهدتها واختبارها والتأكد من صحتها عملياً. ومع تجذر المعتقد الديني في المجتمع وقيامه بدور العنصر المنظم للثقافة الشعبية أصبح من الصعب على الثقافة والعلم ان يتطورا بالسرعة المطلوبة لمجاراة التطور التكنولوجي الذي يتصف عامة بالحيادية من النواحي الدينية والثقافية والسياسية على السواء.

كذلك أصبح من المحظور على العلم والعلماء والمفكرين في الكثير من الأحيان والحالات المغامرة في بحار قد تقودهم إلى اكتشاف أسرار كونية أو حقائق حياتية تتناقض مع المعتقدات الدينية والقضايا الغيبية. ولقد ترتب على هذا تعثر مسيرة المعرفة العلمية بوجه عام، وتباطؤ عملية التطور التكنولوجي المؤسس على العلم وقوانينه بوجه خاص، وجمود الثقافة إلى حد بعيد.

لكن العلماء والمفكرين ورجال الاقتصاد والسياسة واجهوا تحدي المؤسسة الدينية في عصور النهضة الأوروبية وخاضوا حربا طاحنة ضد الكنيسة الكاثوليكية كانت نتيجتها هزيمة الكنيسة بعد حروب دامية دامت ثلاثين سنة وانتهت في عام 1648 بتوقيع معاهدة وستفاليا، وهي المعاهدة التي نصت، بين أشياء أخرى، على فصل الدين عن الدولة.

ولقد تبع ذلك إفساح المجال لتحرر الفكر والعقل، وتقدم العلم، وتراكم المعرفة، وتسارع وتيرة التطورات التكنولوجية والتحولات الاجتماعية والثقافية في معظم الدول الأوروبية. ورغم تحالف جهات عدة ضد الكنيسة، فإن السبب الأهم لهزيمتها وإعادة هيكلة تعاليمها جاء نتيجة لما واجهته من تحدٍ داخلي استغل ظروف ضعفها وفسادها.

إن قيام النهضة الأوروبية بمواجهة التحدي الديني الكاثوليكي وصولاً إلى تحرير العقل والفكر والعلم والاقتصاد لم يكن بالإمكان حدوثه في حينه لولا الانجازات العربية الإسلامية، خاصة في علوم الرياضيات والكيمياء والقانون والفلسفة. لكن، بينما كانت أوروبا تنهل من روافد العلم العربية وتؤسس عليها صرح نهضته، كان العرب يدخلون نفق الخلافات السياسية ويغرقون في بحار الخرافات والشعوذة باسم الدين، ويبتعدون عن حكمة العقل ورأي العلم وأصول التعامل مع الأشياء والأحداث بعقلانية.

وهذا يعني انه بينما كانت الشعوب الأوروبية تتقدم بثبات وعزيمة نحو الإمام وتقوم بالاستيلاء تدريجيا على عملية صنع التاريخ الحضاري للإنسانية، كانت الشعوب العربية والإسلامية عامة تتخلى عن قيادة حركة التاريخ وتخرج منه طوعا لتعيش على هامشه قرونا لم تنته بعد.

إن تحرير الفكر من الكبت السياسي، وتحرير العقل من الخرافة كانا مفتاح التقدم العلمي والتطور التكنولوجي والتراكم المعرفي عبر العصور. ولقد تسببت تلك التراكمات والتطورات المعرفية في إيصالنا إلى ما نشهده اليوم من عولمة تشمل كافة نواحي الحياة: الاقتصاد، وأسواق المال والاستثمار والتجارة، والثقافة والإعلام، والعلم والتعليم، وحتى الإرهاب الذي يستخدم العلم وتكنولوجيا العصر لتدمير روح العصر وتشويه معنى التواصل والتلاقح والتسامح بين الثقافات والشعوب.

إلا أن ما تحقق لبعض الشعوب من حريات سياسية واجتماعية وتقدم علمي وتكنولوجي ما زال بعيدا عن طموحات الكثير من الشعوب الأخرى، ومن بينها بالطبع الشعوب العربية والإسلامية. حين كتب عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر عن دور الدين في تحقيق تقدم المجتمع انطلق من قبول فرضية القضاء والقدر وقيام الخالق باختيار البعض من عباده لدخول الجنة. لكن فيبر قال ان المختارين من الناس يعكسون في مسلكياتهم اليومية الصفات السمحة التي وهبها الله لهم واختارهم على أساسها لدخول الجنة.

وهذا يعني ان التعرف على عباد الله الصالحين والمختارين ممكن من خلال مراقبة أعمالهم وتصرفاتهم وتتبع مواقفهم وأقوالهم. والى جانب ذلك، قال فيبر ان الجد والمثابرة والتفاني في العمل والإخلاص في إتقانه وعدم الإسراف تأتي في مقدمة الأشياء التي دعا الله عباده إلى القيام بها.

وهذا فرض بالتالي على كل شخص أراد ان يبرهن على كونه من المختارين ان يسلك سلوكا حسنا وان يرضي الله والناس فيما يقول ويعمل.إن اتجاه فيبر إلى التوفيق بين العقيدة الدينية القائمة على الإيمان بالغيب، والحاجة المجتمعية للإخلاص والأمانة والصدق،

والضرورة الاقتصادية للمثابرة والعمل الجاد والابتعاد عن الإسراف والاستثمار جعل من السهل على رسالته ان تجد آذانا صاغية، وان تلاقي القبول والترحاب من مختلف قطاعات الشعب وقياداته السياسية والاجتماعية والاقتصادية.إنني اعتقد أن من الممكن استخدام منطق فيبر لبدء عملية إصلاح ثقافي تنال القيم الاجتماعية والعادات والتقاليد والمسلكيات السلبية السائدة في المجتمع العربي، وذلك دون ان تلمس مبادرات الإصلاح جوهر القيم الدينية المترسخة في النفوس.

وفي الواقع يمكن القول ان مبادئ ماكس فيبر ليست الا أفكارا مقتبسة من التراث الإسلامي والأحاديث النبوية التي تدعو إلى الصدق والإخلاص وإتقان العمل وعدم الإسراف والتبذير وطلب العلم واحترام الوقت وعمل الخير وخدمة الصالح العام. وهذا يعني ان الارتكاز إلى جوهر الدين، وليس إلى شعائره ورموزه فقط، من الممكن ان يساهم مساهمة فعالة في إصلاح أوضاعنا الثقافية دون المساس بمعتقداتنا الدينية.

أكاديمي أميركي من أصل عربي

professorrabie@yahoo.com