في لقاء من اللقاءات المتواصلة مع مجموعة من الأصدقاء الأميركيين من ذوي الأصول العربية، دار النقاش حول العلاقات العربية ـ الأميركية والتدهور الذي وصلت إليه في السنوات الأخيرة، وفي رأيي أن هذا الموضوع يطغى على جميع اللقاءات بين الأصدقاء في جميع الدول العربية! كان الحديث عن الموقف العام بين أوساط الشعوب العربية من الحكومات الأميركية تجاه القضايا العربية في العقدين الماضيين وتصاعدها من سيئ لأسوأ.

قال أحدهم: لا شك أن هناك نسبة كبيرة من الشعوب العربية تُكنّ تقديراً واحتراماً للشعب الأميركي، خاصة وأن كثيراً من أبنائها درسوا وتخرّجوا في الجامعات الأميركية وكوّنوا علاقات قوية مع عائلات أميركية، هذا إلى جانب أن أميركا لم تكن من الدول الاستعمارية، بل كانت هي في الأساس مُستعمَرة. وفي ظل أول دستور لها بعد الاستقلال نادت بالحرية للشعوب المستعمَرة في كل بقاع العالم.

وما دخولها في الحرب العالمية الثانية مع دول التحالف ضد حكومة هتلر النازية، إلاّ رغبة منها في أن ترى شعوب العالم حرة، أما فيما يتعلق بحرية الشعوب العربية فإن موقف الرئيس ايزنهاور من العدوان الثلاثي على مصر كان واضحاً، بالرغم من أنه كان حليفاً لبريطانيا وفرنسا، لكنه تدخل لإيقاف العدوان على مصر.

وتدخلت قائلاً: لكن في منتصف الستينات بدأت سياستها تتغيّر وبدأت الحكومات المتعاقبة في تغيير مسارها وأصبحت الشعوب العربية تنظر إليها كدولة عدوّة، خاصة عندما ساندت إسرائيل أثناء حربها ضد الدول العربية عام 67، ومدّتها بالدعم اللوجستي بواسطة الباخرة «ليبرتي»، وتعاملت معها وكأنها ولاية من الولايات المتحدة الأميركية،

ومن ثم انقلبت من دولة تنادي بحريات الشعوب إلى دولة تفكر بعقلية الاستعمار والسيطرة على ثروات الشعوب، وبالذات العربية، هكذا أصبحت على مر السنين دولة متسلطة تريد فرض رأيها بالقوة، وباتت سياستها في نظر أكثر شعوب العالم السياسة النازية في ظل نظام هتلر، وكأنها ليست تلك الدولة التي كانت تنادي بحرية الشعوب!!

لا شك أن أميركا اليوم هي التي تقود العالم، وقد تكون القطب الأوحد في هذا العصر، لكن هل تعمل فعلاً لمصلحة الشعوب كما تدّعي؟ هل تريد لهذه الشعوب أن تعيش في حرية وأمان بعد أن عانت من القهر والظلم، سواء من الاستعمار أو من غيره؟ أليس الشعب الفلسطيني واحداً من أكثر الشعوب تضرراً؟ ألا يستحق أن يعيش مستقلاً في أمان؟

أليست قضيته تاريخية ومعروفة، خاصة فيما يتعلق بإنشاء وطن لليهود ووعد بلفور، هذا الوعد المشؤوم الذي قطعته الحكومة البريطانية لإنشاء دولة يهودية على أرض فلسطين، وما تحاول الولايات المتحدة الأميركية حالياً هو تمليك الجزء الباقي منها، وهذا هو أساس مسلسل المشاكل الأميركية مع الشعوب العربية الذي إلى الآن لم تظهر بوادر حلقاته الأخيرة، مع أن الدول العربية هي أكبر مُصدّر للطاقة إلى الولايات المتحدة الأميركية،

وهذا دليل على أن الحكومات العربية تسعى جاهدة للبقاء على هذه العلاقات في ظل أي ظروف، وتحت أي تأثير، كما أن الشعوب العربية، لم تسع يوماً إلى خلق عداوة مع الولايات المتحدة، لكن المشكلة في استمرار لا مبالاة هذه الأخيرة تجاه المطالب العربية الدائمة بالعدل والإنصاف، خاصة بالنسبة للقضية الفلسطينية، وكأن حق الشعب الفلسطيني المشروع في الاستقلال وتكوين دولة على أرضه كثير عليه، أو فوق قوة وقدرات الولايات المتحدة؟

في اعتقادي إن جلّ ما تتمناه الشعوب العربية من الشعب والحكومة الأميركية هو ألا يتركوا أمرهم لمجموعة من المغامرين الذين يدافعون عن الباطل من أجل مصالحهم الشخصية، ولا يأبهون لأصحاب الحق، متجاهلين أن مصالح دولتهم الدائمة هي مع الدول العربية.