حسب تقارير منسوبة إلى جهات عليمة؛ تم أول من أمس الاتفاق النهائي بين المعنيين على تغيير البند المتعلق بتحديد هوية العراق، في مسودة الدستور العراقي، المزمع إجراء الاستفتاء حوله في الخامس عشر من الشهر المقبل. النص الأول كان «إن العراقيين العرب هم جزء من العالم العربي»! أي أن العراق كبلد ليس كذلك. النص الجديد صار: «إن العراق جزء من العالمين العربي والإسلامي».

بمقياس الظروف والأوضاع السائدة في العراق، يعتبر هذا التغيير خطوة إلى الأمام؛ ولو ملتوية. إلى الأمام. لأنه لم يعد يحصر الهوية العربية بالعراقيين العرب. بل هو منحها للبلد بكامله. بسكانه العرب والأكراد. على الأقل لم يعد يستثني، ضمناً، غير العرب؛ من هذه الهوية. وهنا كان اللغم في النص الأول؛ لأنه يبطن نية سياسية ـ تقسيمية ـ لاحقة.

على الأقل يترك خط الرجعة مفتوحاً لمثل هذا التوجه. والكلام الذي ورد أثناء النقاشات، لتسويغ التعريف الملغوم لم يكن أكثر من محاولة لذر الرماد في العيون. قيل آنذاك إن العراق متعدد الاعراق، وإن الأكراد ليسوا عرباً صحيح لكن الإشارة إلى التركيبة السكانية وتعدديتها القومية، ليس مكانها في الدستور، في هذا الأخير تتحدد هوية واحدة للوطن. ولو كان متنوع القوميات. هذا هو السائد في الدساتير المعاصرة.

ولكن بهذا المعنى، التعريف الجديد لا يلبي المطلوب تماماً. صيغته ملتبسة في أحسن الحالات الثقافية. وكأنها تعكس محاولة لتبهيت الجانب القومي العربي في هوية العراق. طبعاً هذا الأخير جزء من العالم الإسلامي. لكنه أيضاً هو جزء من أمة، هي جزء من هذا العالم الإسلامي، «الأمة»، طارت من التعريف. الأمر الذي جعل النص مشوباً بالرخاوة، في هذا الخصوص. وبالتالي فهو بقي مفتوحاً للتأويل والتحوير؛ واستطراداً بقي يشير إلى نوايا غير صافية تماماً. بشأن هوية العراق.

مع ذلك، في ظل الواقع العراقي وتجاذباته وأجنداته والرياح المتضاربة العاصفة فيه، ناهيك بالمخاطر الجدية التي تهدد وحدته ومصيره؛ يأتي هذا التطور ليندرج في خانة الحلحلة الواعدة. ولو مع التحفظ. ليس فقط لتخفيف التوافق الواسع حول مشروع الدستور؛ بل أيضاً وأساساً لسد الفجوات في البنود الرئيسية وقطع الطريق على تسلل رياح التمزيق من خلالها.

ذلك أن تحصين وحدة العراق في الوثيقة الدستورية يشكل الخطوة الصلبة الأولى في هذه المهمة. علاوة على ذلك؛ فقد يساعد التوافق على الهوية ـ ولو بالحد الأدنى ـ على تكوين أجواء أكثر تقارباً قد تساهم أو تؤدي إلى حصول الحلحلة على صعيد النقاط الخلافية الأخرى. وبالتحديد مسألة الفيدرالية. فالخلاص في العراق كان ولا يزال مرهوناً بالتوافق والتقارب بين العراقيين. ولو بالقدر المتاح، في هذه اللحظة المصيرية من تاريخه.