من أصوات المدافع والأسلحة الثقيلة بين العرب وإسرائيل، إلى مسرحية السلام، وبما أن الجدل طويل، رغم ما شاهدته الأجيال لما يزيد على نصف قرن، فقد تختلف نظرة بين من كانوا في الخمسينيات إلى بدايات التسعينيات ممن ألهبت مشاعرهم القضية، وقادتهم للانكسار بعد الهزائم وردات الفعل السلبية والتي انتهت إلى أبواب مفتوحة للسلام، وبين جيل التخاطب عن بعد والالتحام مع شعوب العالم والذين لا تصل حماستهم واهتماماتهم لجيل آبائهم بالرغم من عدم غياب الصراع وتجدده، بل وانتشاره بسبب وسائل التقنيات الحديثة..

في الظرف الراهن تسيطر على العرب، ومعهم المحيط الإسلامي الكبير، قضايا الإرهاب والحرب المعلنة بين العالم الإسلامي ومعظم جبهات الصراع الدولية، وبين خيار السلام على اعتبار أن الحرب مع إسرائيل موقوفة، إلا ما يجري داخل الأرض الفلسطينية المتنازع عليها، والتي قد يصبح مصيرها النهايات المتفق عليها بين الطرفين بحرب طويلة، أو هدنة مؤقتة أو سلام دائم..

ما يجري الآن من حوارات جديدة بين إسرائيل ودول عربية وإسلامية، لم يعد مفاجأة، وقد يكون مصدر الخوف من إعلانها بين تلك الأطراف، أن تتحول المعارضة الشعبية إلى رفض تتجاوزها إلى أعمال إرهابية، قد يكون صحيحاً، لأن المنطقة التي عوّمت حلولها بين جرأة غير مطلوبة تصل إلى التهور، وبين من يدعي الأمر الواقع، تنطلق أفعال سرية أصبحت إسرائيل هي من يعلنها ويطالب بكشفها، وبصرف النظر عن قناعات الدول، سواء من واجهت ضغطاً دولياً، أو أميركياً بالتحديد، وبين الأخرى التي لا تريد كسر قاعدة قناعاتها ومبادئها، إلا بشروط ترضى عنها، وتجنبها الحرج مع أوضاعها الداخلية، والخارجية، يبرز مفهوم السلام بأشكال مختلفة لم تتوصل إلى صيغة يتفق عليها الجانب العربي والإسلامي، ولذلك ضاعت مشاريع التسوية الجماعية من منطق أن لكل دولة ظرفها الخاص التي تقرر بموجبه صياغة قرارها، وهنا مصدر الخلاف، إذ ان الادعاء بإجماع عربي حول أي مشروع سلمي توقعه تلك الدول، لم يعد ملزماً، وهذا بدوره خدم إسرائيل، لأن انتزاع حقوق عربية لمصلحة الفلسطينيين، اعتبر شأنهم وحدهم وتحررها من أي التزام لدول أجمعت على قرار واحد، وهذا الثقب الأسود الذي ابتلع السلام كله، وعاد بمطالب إسرائيلية رافضة، أو موافقة، هو ما دفعها إلى أن تخترع موضوع تفكيك مستعمراتها بغزة مقابل سلام شامل..

النهايات ليست واضحة، لكن الخطوات سريعة، وقد تكون جارفة بالتطبيع مع إسرائيل، ومع احترامنا لما تتخذه كل دولة وفق اعتباراتها الخاصة، إلا أن الثوابت لم تعد قائمة طالما كل يغني على ليلاه..