هناك اجماع وطني على حقيقة لا مجال للاختلاف عليها، وهي ان خروج المستوطنين من قطاع غزة ليس نهاية المطاف: لأن هناك الضفة الغربية التي يستميت المتطرفون الاسرائيليون في محاولة لابتلاع اكبر مساحة ممكنة من اراضيها، ويؤكد رئيس الوزراء الاسرائيلي شارون ان الكتل الاستيطانية الكبرى، التي تمثل ما يقارب ثلث مساحة الضفة، ستظل تحت السيطرة الاسرائيلية، وهناك قضية القدس والحدود والمعابر، ومطلب العودة للاجئين من عامي 1948و1967، وسيادة الدولة الفلسطينية العتيدة على ارضها وجوها وبحرها - كل هذه القضايا ما تزال دون حل او تسوية - حتى في اطار منطق الحد الادنى من المقبول من التطلعات الوطنية الفلسطينية، وهو منطق الحلول الوسط، او ما دون الوسط، المطبق منذ اوسلو وحتى الآن.

وحتى لو ان المطالب الفلسطينية المشروعة قد تحققت بالكامل بل ووصلت السقف الاعلى لما يسعى اليه ابناء الشعب الفلسطيني، فلن يكون ذلك سببا في ظهور خلافات ومنازعات، وصراعات على النفوذ والسلطة بين مختلف الفصائل والتنظيمات وانما على العكس من ذلك تماماً: فان انهاء الاحتلال والاستيطان، اذا ما تحقق، سيكون مدعاة لرص الصفوف وترسيخ الوحدة الوطنية، لتحقيق المزيد من الاهداف المنشودة، التي لا يمكن انجازها بعيداً عن تظافر الجهود وتآزر السواعد والعقول، وانصهار التيارات والاجتهادات في بوتقة المصلحة الوطنية العليا،والانتماء المشترك الواحد لفلسطين والقضية الفلسطينية.

وفي الظروف الدقيقة التي يحياها شعبنا الفلسطيني الذي تمكن باصراره وارادته القوية من دفع الاحتلال والاستيطان بعيداً عن القطاع الحبيب، ولكن مع الاسف في اتجاه الضفة الغربية، فان السؤال الاكثر الحاحاً الذي يتبادر الى الاذهان، هو: هل الوقت مناسب حاليا لما يتردد من تصريحات وتهديدات من هذا الفصيل الفلسطيني او ذاك، بشأن ما يمكن ان يحدث بعد تسلم السلطة الفلسطينية السيطرة على غزة؟ ومما لا شك فيه ان تداعيات وتفاعلات، بل ومضاعفات هكذا تصريحات لا يمكن ان تخدم قضية التضامن الداخلي ووحدة الكلمة، والهدف، في الوقت الذي يتطلع فيه العالم ويتفحص بدقة ما سيتمخض من احداث داخل الاراضي الفلسطينية، وهل ستسير الامور في اتجاه الهدوء والنظام وسيادة القانون ام لا سمح الله، سيحدث السيناريو المعاكس، الذي يأمل في وقوعه من لا يريد الخير للشعب الفلسطيني ويتمنى لهذا الشعب ما هو اسوأ، واكثر خطورة وتردياً.

ومن اجل توقّي التطورات التي لا يرغب اي فلسطيني مخلص في حدوثها فان الحاجة ماسة بالفعل الى حواروطني شامل، تشارك فيه السلطة الفلسطينية والفصائل الموالية لها من جهة وفصائل المعارضة على اختلاف توجهاتها من الجهة الاخرى، بهدف التوصل الى استراتيجية القواسم المشتركة التي يلتقي عليها الجميع في هذا الوطن.

ولا مجال للجدال في ان المواقف بين هذين الطرفين الفلسطينيين ليست متطابقة، بل ان هناك احيانا تناقضا في الاساليب او التكتيكات فضلا عن الاهداف النهائية، ومن الناحية الاخرى، فلا خلاف كذلك على ان هناك امكانية حقيقية للالتقاء بشأن مسؤوليات المرحلة الراهنة، وقد تأكدت هذه الامكانية حين تم التوصل الى تفاهم بين الفصائل الفلسطينية حول الهدنة المؤقتة، التي اعلنت على خلفية اخلاء قطاع غزة، وما تزال متواصلة حتى الآن، مما يشكل نموذجا متميزا لاتفاقات لاحقة تنتزع الفتيل من اجواء التصريحات، التي تكاثرت هذه الايام على نحو يوحي لرجل الشارع الفلسطيني بقدر من القلق والتوتر، والتساؤل عن المستقبل المنظور، والبعيد، في آن معاً.

ان الشعب الفلسطيني احوج ما يكون الآن، الى تصريحات هادئة وعقلانية، وبناءة، تحاصر اي توجه نحو التشرذم وتفرق الكلمة، وتضع الاساس المتين للتآزر والتضامن لمواجهة التحديات المقبلة، والمخاطر الكبرى التي تلوح في الافق وتهدد الشعب الفلسطيني باسوأ العواقب.