منذ أن بدأت السلطات الإسرائيلية في إخلاء قطاع غزة من المستوطنات الفلسطينية وقيادة السلطة الفلسطينية تتصرف وكأنه تم تحرير القطاع تماماً من الاحتلال.. علماً بأن السلطات الإسرائيلية اتخذت وتتخذ من التدابير الأمنية ما يجعل القطاع سجناً كبيراً لنحو 4,1 مليون فلسطيني.
آخر الأنباء يفيد بأن السلطة جهزت نحو 15 ألفاً من قوات الأمن والشرطة لنشرها في المواقع التي ستخليها القوات الإسرائيلية قبل نهاية سبتمبر الجاري. ورغم أن الناطق باسم وزارة الداخلية الفلسطينية يُطلق على هذه العملية «استلام المناطق المُحررَّة» إلا أن القرائن المتوفرة تؤكد أن هذا الترتيب يقع ضمن سياق مخطط وضع من منظور حماية الأمن الإسرائيلي لا من منظور إعادة الأرض إلى السيادة الفلسطينية. فما هي هذه المؤشرات؟
أولاً: يأتي استعداد قوات السلطة الفلسطينية للحلول في مواقع القوات الإسرائيلية وكأنه خطوة تكميلية لإصرار حكومة شارون على استمرار الحضور الأمني الإسرائيلي في معبر رفح ـ المنفذ الخارجي الأوحد لقطاع غزة بهدف منع تسرّب إمدادات السلاح إلى فصائل المقاومة الوطنية الفلسطينية.
ثانياً: وزارة الداخلية الفلسطينية نفسها تقول في بيان رسمي إنه سيكون ضمن قواتها قوة من شرطة مكافحة الشغب. ومعنى ذلك أن الهدف الرئيسي من إعداد القوات الفلسطينية «لاستلام الأراضي المُحرَّرة» هو في الحقيقة تعويق أنشطة فصائل المقاومة.
وما ورد في هذا البيان بيان سابق عليه من وزير الداخلية الفلسطيني يتضمن تهديداً ووعيداً تجاه فصائل المقاومة بقوله إن الوزارة لن تسمح بوجود مجموعات مسلحة في قطاع غزة.وقد ردت إحدى الفصائل ـ «كتائب شهداء الأقصى» على البيان ببيان مضاد حذرت فيه من أن «المساس بسلاح المقاومة بداية خدمة أميركا ودولة الكيان الصهيوني للإبقاء على باقي أراضينا محتلة وإبقاء الصهاينة يعيشون في سلام».
وهذا التحذير ترافق معه تحدٍ، فقد جاء في البيان أيضاً أن سلاح المقاومة سيبقى مشرّعاً في وجه الاحتلال.. ووصف البيان دعوة وزير الداخلية إلى وقف الاحتفاظ بسلاح المقاومة بأنها دعوة باطلة «ولن تهمنا ولن نأخذ بها». وربما لا تستطيع السلطة الفلسطينية تجريد الفصائل من السلاح أو تحجيم نشاطها تماماً دون أن تخاطر بحدوث تمرد في صفوف قواتها لكنها قد تستطيع تعويق هذا النشاط إلى حد ما وإشغال قادة المقاومة بمسائل ثانوية وصدامات كلامية انصرافية..
بل وحوارات عقيمة.. والأسوأ من ذلك كله أن تسخر الأجهزة الأمنية الفلسطينية لخدمة الأمن الإسرائيلي تحت عنوان «التنسيق الأمني».وفي كل الأحوال، فإن السلطة الفلسطينية وضعت نفسها موضع ريبة، فبينما تروج السلطة الفلسطينية لخرافة «تحرير غزة»
فإن وزير الحرب الإسرائيلي شاؤول موفاز يعلن على الملأ أن خروج القوات الإسرائيلية من القطاع سيتزامن معه البدء في عملية بناء جدار جديد بحجة حماية القرى الإسرائيلية الواقعة شرق غزة ليكتمل بذلك مشروع تحويل القطاع إلى أكبر سجن في العالم بعد إحكام السيطرة الإسرائيلية على الميناء والمطار ومعبر رفح.
ويا لها من مفارقة مؤسفة.