قليلة هي الأخبار التي عندما نشاهدها أو نسمعها أو نقرأها، تمنحنا لحظات من الابتسام الذي يتطور إلى ضحك ثم تدخلنا في حالة تأمل بعد إخضاعها لمقاييس العقل وقوانين المنطق، التي ترى فيها أكثر من معنى ومغزى يتجاوز نطاق وحدود الصورة التي تكونت عنها في الوهلة الأولى.الخبر التالي من هذه الفصيلة ويقول: «ذكرت صحيفة (الغارديان) البريطانية أن الحكومة البريطانية اختارت المثقف المسلم طارق رمضان الممنوع من الإقامة في الولايات المتحدة، ليعمل مستشارا لها في مكافحة التطرف الإسلامي».
ويضيف أن «رمضان الذي يحمل الجنسية السويسرية هو احد 13 شخصا دعوا لتقديم مقترحات من اجل منع مسلمي بريطانيا من الانجرار وراء التطرف، وستقدم هذه المجموعة تقريرها إلى رئيس الوزراء البريطاني توني بلير ووزير الداخلية تشارلز كلارك قبل نهاية سبتمبر الجاري».إلى هنا والخبر يبدو عادياً، إلا أن استدراكا من الوكالة التي أوردته، جعله يتخطى حدود «العادي» ليدخل قائمة الأخبار المثيرة للاستغراق في الضحك ثم التأمل.
الاستدراك يقول «يذكر أن طارق رمضان هو حفيد حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان المسلمين المحظورة في مصر ويقيم في جنيف».وأول من يمكن أن نفعله بعد قراءة هذا الخبر وفور إخضاعه للتفكير، هو استدعاء الجملة الشعرية الشهيرة لأبي نواس:
دع عنك لومي فان اللوم إغراء
وداوني بالتي كانت هي الداء
والمبرر في ذلك، يرجع إلى أسباب عدة، أهمها أن جماعة الإخوان المسلمين، تعتبر «الأب الروحي» لكثير من الجماعات التي ترفع لواء «الإسلام السياسي» وتتخذه طريقاً ومنهجاً حتى لو أدى ذلك بها إلى أن تسلك دروب العنف والإرهاب، وهو الأمر الذي فطنت إليه العديد من النظم العربية، وسارعت إلى توجيه ضربات متتالية لهذه الجماعة،والتضييق على عناصرها، حتى لا تتحول مفرخاً وملهماً لجماعات وتنظيمات جديدة تخرج في المستقبل.
ليس هذا فقط، بل إن هذه الجماعة ممنوعة حتى من ممارسة العمل السياسي العام، في العديد من الدول العربية، ويقرن اسمها دائما بعبارة «المحظورة»، وهى عبارة تختزل إلى حد كبير رؤية الأنظمة وأجهزة الأمن لها.يضاف إلى ذلك أن لندن التي قررت الاستعانة بحفيد مؤسس الجماعة،تعد الحليف الرئيسي لواشنطن في الحرب على الإرهاب، وهى الحرب التي تهدف إلى تدمير الجماعات التي خرج معظمها من عباءة «الإخوان» حتى على الأقل فكرياً،
أو ما يمكن تصنيفه في خانة المتفقين في الهدف، والمختلفين على وسائل تحقيقه.لذا فإننا نعتقد أن لندن تهدف من وراء الإقدام على مثل هذه الخطوة، إلى استخدامها إعلامياً (على طريقة الدواء بالتي كانت هي الداء) من اجل إرسال رسالة لمسلمي بريطانيا مفادها أن حفيد أكبر جماعة أصولية في العالم العربي،
يتوافق مع توجهاتها ويعارض الممارسات العنيفة التي تقوم بها قلة من أصحاب الفكر المتشدد، لكن هذا الأمر من وجهة نظرنا لن يكون له جدوى في «ترويض» مسلمي بريطانيا على التسامح ونبذ التطرف والإرهاب، ما لم تفتح الحكومة البريطانية الباب أمام حوار حقيقي وجاد مع مسلميها وتناقش الدوافع الحقيقية التي تدفع بعضهم إلى اللجوء إلى العنف والإرهاب، وتحاول إزالة أسباب الاحتقان سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية.