لم يبد الاعلام الدولى والعربى اهتماما كبيرا بالمناورات العسكرية المشتركة الأخيرة بين روسيا والصين، وهو أمر يدعو للانتباه ان لم يكن للدهشة. فهذا الحدث ليس روتينا معتادا، بل قد يشكل تطورا ثوريا سواء فى العلاقات الروسية الصينية، أو فيما ندعى أنه نمط جديد من التحولات التى تجرى فى معترك السياسة الدولية.

فاذا لم يكن هذا الحدث قد لفت انتباه الاعلام الدولى فلأن ذلك مقصود من الفاعلين المباشرين. لقد أرادوا أن يحدثوا تحولات مهمة فى بنية العلاقات الدولية بعيدا عن ضجيج الاعلام. وهذا يعد أمرا جديدا فى السياسة العالمية. فمنذ فترة طويلة، صار الإعلام بعدا أساسيا فى القرارات الاستراتيجية والسياسية ذات الأبعاد العالمية. بل ونزعم ـ بقدر من المبالغة ـ أن الاعلام حل محل السياسة، بمعنى أن عددا كبيرا من قرارات السياسة الخارجية صار مقصودا لعائده الاعلامى لا عائده السياسى أو الفعلى.

وبذلك هيمنت مدرسة معينة فى السياسة الخارجية تتجه لادارة الشؤون العالمية عن طريق المحطات التلفزيونية وليس عن طريق احداث تغييرات حقيقية فى الواقع المادى بما فيه الواقع الثقافى للعلاقات الدولية. يبدو الأمر وكأنه تطور طبيعى يعكس صعود التلفاز بذاته، واحتلاله لمكانة مركزية فى الحياة اليومية بكل جوانبها.

واليوم تتشكل الحياة العائلية بتأثير الساعات الطويلة التى يقضيها الناس حول التلفاز. وبوسع التلفاز اليوم أن يشكل أذواق الناس ورؤاهم بل وما يقولونه ويفعلونه فى معظم مجالات الحياة، بدءا من الحب والزواج حتى السياسة والحرب. ولأول مرة فى تاريخ الانسانية الطويل صرنا قادرين على مشاهدة حروب على شاشات التلفاز.

وقد يمكن النظر لذلك باعتباره تطورا منطقيا أو امتدادا لتداخل التلفاز مع جميع أوجه الحياة الأخرى. اما غير المنطقى فهو أن يتم اقناعنا بأن هناك ما يسمى «الحروب التلفزيونية«. فبالنسبة لأهلنا فى العراق - وهم الذين وقعوا ضحية هذا النوع من الحروب ـ لم يكن من الممكن العيش فى عالمين متوازيين بين حرب يشاهدونها فى التلفاز وواقع يسقط السماء نارا على رؤوسهم حيث يموت أمامهم بعض أحبائهم، أو يموتون هم.

فى هذه الحالة لا يشاهد الانسان نفسه يموت أمام التلفاز! ولكنه يتحول الى مشهد أو مشاهدة عابرة للمكان والسياق الحقيقي، ويعبر كخيالات فى عالم تخيلى. وبذلك يبدو الأمر منسجما مع ضخامة الحيز الذى يحتله الاعلام عموما فى المجتمع الذى اسموه جماهيريا أو ديمقراطيا. ولكن اذا قسنا الأمر بمؤشرات الواقع لوجدناه مجردا من الحقيقة. فغالبية الناس حتى فى المجتمعات الأكثر تطورا وثراء ـ والتى يكاد يصيغ فيها التلفاز أسلوب الحياة بكامله- لا يعرفون شيئا عن العالم الخارجى أو الثقافات الأجنبية بالنسبة لهم.

بل ان المرشح الجمهورى للرئاسة الأميركية عام 2000 السيد جورج بوش الابن فشل فى الاجابة - أثناء مناظرة تلفازية مع غريمه الديمقراطى ـ على أبسط الأسئلة الخاصة ببلاد مثل أفغانستان وباكستان، والتي صارت موضوعا رئيسيا لقراراته الاستراتيجية عندما أصبح رئيسا.

لا يبدو الأمر اذن نوعا من التطور المنطقى أو الذى يفرضه الواقع سواء اسميناه المجتمع الجماهيرى أو الديمقراطى، أو أسميناه أى اسم اخر. بل يبدو فى الواقع جزءا من صناعة الوهم. فالدور الذى يلعبه الاعلام التلفازى فى القرارات السياسية والاستراتيجية الكبرى ليس سوى ابتكار فرضته مدرسة فكرية وسياسية بعينها ونجحت فى تسييده على المستوى العالمى.

وقد توجت هذه المدرسة انتصارها بتعيين هنرى كيسنجر مستشارا للأمن القومى ثم وزيرا لخارجية الولايات المتحدة أثناء رئاسة نيسكون. فبالرغم من أن الاسهام الأكاديمى الأساسى لهذا الرجل تركز فى شرح المدرسة السياسية والدبلوماسية الواقعية الأوروبية خلال القرن التاسع عشر وخاصة المدرسة الألمانية التى جسدها ميترنيخ ثم المستشار بسمارك، فهو مارس الدبلوماسية وصنع قرارات السياسة الخارجية لبلاده انطلاقا من مدرسة أخرى تماما وهى مدرسة اشتهرت باسم «ادارة الأزمات«.

لاحظوا التسمية بذاتها: فهى لا تتحدث عن صراعات حقيقية حول قيم كبرى واساسية بالنسبة للشعوب والمجتمعات المشتبكة فيها، وهى لا تتحدث عن حلول حقيقية لهذه الصراعات انطلاقا من قيم قانونية أو أخلاقية أو حتى أهداف سياسية واضحة، بل عن مجرد ادارة لهذه الصراعات فقط عندما تصل الى مستوى معين من «الحدة«: أى عندما تتحول الى أزمة تثور خلال فترة زمنية قصيرة لتعود الى المستويات العادية للسخونة.

والمفارقة الاضافية هنا هى أن «الأزمة« تصبح كذلك عندما تعرض من هذه الزاوية وبالحاح خاص أمام التلفاز! كانت هناك مقدمات لهذا التطور الاصطناعى المقصود عندما قرر الرئيس الأميركى جون كيندى أن يعرض «المناظرة« بين المندوبين الأميركى والسوفييتى فى مجلس الأمن حول أزمة الصواريخ الكوبية على شاشات التلفاز كجزء من - أو فلنقل كأهم خطوة فى - ادارته لهذه الأزمة.

وقد فاز المندوب الأميركى بهذه المناظرة عندما عرض أمام شاشات وضعت خصيصا لأول مرة فى قاعة المجلس صورا لقواعد الصواريخ الروسية فى كوبا كما التقطتها طائرات التجسس الأميركية، ردا على انكار المندوب السوفييتى لهذه الواقعة. أما هنرى كيسنجر فقد أدار كل خطوات سياسته الخارجية الى حد بعيد بالاستعانة بالتلفزيون: أو بالأحرى بصناعة الوهم أو بتأسيس واقع تخيلى بدءا من حرب أكتوبر 1973 مرورا بزيارته الشهيرة للصين وحتى الانسحاب من فيتنام.

لا توجد منطقة فى العالم تأثرت بهذا النمط من الإدارة الأميركية للسياسة الدولية مثل «الشرق الأوسط»، كما يسميها الأميركيون (ربما كتجسيد لمدرسة صناعة الوهم فى اللغة ايضا). وهناك أمثلة كثيرة تدرس فى باب ادارة الأزمات كنماذج كلاسيكية مثل صنع قرار زيارة القدس أثناء حوار تلفازى أجراه أهم مذيع تلفازى أميركى هو والتر كرونكايت مع الرئيس السادات.

ومنذ ذلك الوقت صار انتاج «مبادرة« أمرا يكاد يكون ملزما لقادة المنطقة. ولنلاحظ هنا أن كلمة«مبادرة« صارت معنى بذاته مجردا من موضوعه أو سياقه أو مبتغاه أومحطته النهائية. هنا أيضا تركب «المبادرة« خيول إيحاءاتها وتستعرض هذه الايحاءات بخيلاء لتحدث التأثير المطلوب عندما تقرر محطات التلفاز ذلك.

وبدأت تلك المحطات تنمط هذا التطور عندما ابتكرت مصطلح «بريكنج نيوز». وربما تمثل مشاهد الانسحاب الاسرائيلى من غزة ـ والتى بثت لحظة بلحظة فى المحطات الفضائية العالمية والعربية الكبرى ـ هذا النوع من القرارات بصورة مثالية. فهى لم تكن مسرحية حية مقصودة ومملاه بسيناريو دقيق لبث الايحاءات المطلوبة فحسب، بل هى تجسيد كامل أيضا لمنطق صنع السياسة عن طريق التلفاز فى عالم تخيلى ومنزوع السياق تماما.

وتوج هذا الحدث سلسلة من القرارات التلفازية التى قصد منها تغيير نسيج السياسة فى المنطقة بدءا من حرب مثل غزو العراق ووصولا الى «ثورات برتقالية« مثل الانتفاضة اللبنانية بعد اغتيال الرئيس الحريرى. ان أهم انتصار تحقق لهذه المدرسة فى المنطقة هو أنه يجر المجتمعات والزعماء للتفكير بنفس الطريقة التى تريدها تلك المدرسة الأميركية. أما أهم عيوبها على الاطلاق فهى أن الواقع التخيلى الذى تريد اصطناعه وفرضه يظهر بالنهاية كوهم لا عقلى ولا حقيقي،

ولا يمكنه أن يحل محل السياسة الحقيقية أو القابلة للفهم والممارسة بالعقل. ألم توقظنا الانتفاضة الفلسطينية على الواقع المؤلم الذى رفض اخلاء موقعه لصالح الواقع التخيلى «للسلام العربي الاسرائيلى» الذى صنعه الأميركيون بالتلفاز كبديل عن صنعه فى الواقع؟ أو هل أوقظتنا بالفعل؟

المؤكد هو أن بعض المجتمعات لم تستسلم كما استسلمنا لهذه المدرسة. والمناورات العسكرية الصينية الروسية دليل على ذلك. الرئيسان بوتين وجيانتاو يصنعان تحولات جديدة فى السياسة الدولية بعيدا عن صناعة الوهم التلفازى، لأنهما يعلمان أن التحول لابد أن يتم فى الواقع. والمناورات ليست «مبادرة» بل فعل منهجى شاق يتطلب ابداعات حقيقية لحل مفارقات معقدة لسياسات واقعية لها تاريخ وسياقات وصعوبات، وأهداف كبيرة ممكنة..أيضاً.

كاتب مصري