نشأتُ وجيل عربي كامل وممتد من المحيط الهادر إلى الخليج الثائر على «الأدبيات السياسية» لتيارين فكريين عريضين في الساحة «الفكر القومي، بجناحه «الناصري» المهيمن، و«الإسلام السياسي بجناحه «الإخواني» المؤثر. كانت أيديولوجية هذين الفكرين تقوم على تمجيد «الدور الإقليمي» للدولة العربية، في محيطها «العربي» و«الإسلامي» ثم «الإفريقي» و«العالمي».

كانت المنابر «التعليمية» و«الإعلامية» و«الدينية» و«الثقافية ـ على امتداد نصف قرن ومازالت ـ تصدح وتتغنى بـ «الدور» النضالي و«الرسالة» الخالدة لأمة العرب، تحقيقاً لحلم العرب القومي الإبداعي في «الوحدة العربية» ثم حلم المسلمين الخالد في الوحدة «الإسلامية».

كانت «الناصرية» خير ممثل ـ على امتداد الخمسينات والستينات ـ لفكرة «الدور» الخارجي، ولبست ثوب الزعامة، وأصبحت «النموذج الحلم» لدى الجماهير والنخب الفكرية والسياسية والتي كانت تؤمن وترى في «مصر» القائد والرائد المؤهل لأن يلعب «الدور المهيمن» في المنطقة، وكانت «فلسفة الميثاق» رسالة بليغة في مبررات وأهداف هذا الدور القيادي لمصر، ليس ذلك «اختياراً» بل «قدراً» شاءته الأقدار لمصر، لاعتبارات تتعلق بـ «المكانة»، و«الموقع» و«الثقل» التاريخي.

وقد بلغ «الهوس» بفكرة «الدور الخارجي» عند بعض المتحمسين أن رفعوها إلى مرتبة «العقيدة» الوطنية والدينية، واعتبروا أن أي «تفريط» في هذا الدور أو «نكوص» عنه، بمثابة التخاذل والاستسلام بل «الخيانة» الوطنية والدينية. ومن هنا نفهم سر «فجيعة» هؤلاء وسبب «نقمتهم» على «السادات» لأنه ـ حسب تصورهم ـ كبح هذا الدور الخارجي لمصر، حين ارتضى في ـ كامب ديفيد ـ الصلح والتطبيع، اكتفاء بالدور الداخلي،

فاسترد سيناء كاملة محررة، وأعاد فتح قناة السويس للملاحة الدولية بعد أن كانت معطلة طويلاً وذلك في 5/6/1975 ـ بلغت إيرادات القناة منذ إعادة فتحها، أي خلال 30 سنة، 3,34 مليار دولار. وقد استمر غضب هؤلاء الكتاب، وتلك النخب المهووسة بفكرة «الدور» على خليفة السادات ـ الرئيس مبارك ـ من بعده، لأنه اتبع سياسة مصر أولاً ولم يلعب الدور الخارجي المحتوم كما فعل عبدالناصر.

وكنموذج لما يكتبه بعض الكتاب المصريين المتشبعين بفكرة الدور والذين لا ينقطع حنينهم إلى الماضي السعيد، أيام عبدالناصر، يكتب د. حسن نافعة ـ وهو أستاذ للعلوم السياسية بجامعة القاهرة ـ مقالاً بعنوان ـ مصر وأزمة الخليج الثالثة: معضلة البحث عن دور ضائع، الحياة 4/4/3 ـ يبدي تحسره على عجز مصر عن القيام بدور مؤثر في قيادة النظام العربي ضد أميركا إلى درجة أن الجماهير المصرية كانت تتمزق حزناً وألماً وهي ترى العراق يدمر صواريخه،

فيقول بالنص (وفي هذا السياق بدت الجماهير المصرية متعطشة لموقف رسمي قوي يسهم في حشد طاقة النظام العربي للدفاع عن كرامة الأمة) لماذا؟ لان مصر لم تدافع عن دكتاتور العراق ـ ممثل الكرامة العربية ـ بمناطحة أميركا كما فعل عبدالناصر ـ رحمه الله ـ !!

عبدالناصر «الزعيم الخالد والملهم، جسد الحلم العربي في الزعامة القومية المنوط بها الدور الرسالي والنضالي لتحقيق «وحدة العرب» وفي سبيل ذلك، سخر كل موارد وطاقات مصر، فأقام صناعة ثقيلة، وأعد جيشاً مرموقاً مدججاً بالسلاح السوفييتي، واستثار حمية العرب بخطبه الحماسية البليغة، وقال: ارفع رأسك يا أخي فقد مضى عهد الاستعمار، وحارب في اليمن، وناضل ضد «الرجعية العربية» و«العملاء» وتحدى وناطح طويلاً، ثم كانت النهاية المأساوية، ومات الزعيم ودفن الحلم العربي وبكته الجماهير قاطبة.

ولكن العرب مولعون بفكرة «الدور الخارجي» وهم على استعداد لمبايعة أي زعيم يتحدى أميركا ويناطح العالم في سبيل تحقيق «الدور الرسالي القومي والديني» يصطفون خلفه، ويمشون تحت رايته، ولو قادهم إلي مهاوى الردى!! وجاء الدور على الجناح الآخر للفكر القومي «البعث» وبخاصة بعد هزيمة 67، لتتقمص، سوريا ـ موطن الفكرة القومية ـ دور «قاعدة الثورة» معلنة مسؤوليتها عن قيادة الحركات الثورية في المنطقة ومدها بالمعونة اللازمة وتوفير قواعد التدريب لها،

إضافة إلى القيام بدور الأم الحاضنة والمرشدة الروحية لها ـ غازي رحمان، الحياة 5/7 ـ ومن هذا المنطلق رأت سوريا أن طبيعة «دورها الإقليمي» تتطلب دخولها لبنان كامتداد طبيعي لما سمي تاريخياً «بلاد الشام» أو »مشروع سورية الكبرى» وشاءت أن تمكث هناك «3» عقود ثم تضطر ـ أمام الضغط المحلي والعالمي. للانسحاب في 26/4/2005 مخلفة آثاراً سلبية في العلاقات تحتاج زمناً لترميمها وخاصة فيما يتعلق بتداعيات مقتل الشهيد الحريري رحمه الله.

لقد أدى «الدور الإقليمي» لسورية في لبنان إلى شعور اللبنانيين عدم امتلاكهم لحرية القرار السياسي في شؤون بلادهم فضلاً عن إدخال لبنان في صراعات عربية وإقليمية. وكان هذا الانشغال بالدور الخارجي على حساب تفعيل الدور التنموي الإصلاحي الداخلي تماماً مثلما حصل في مصر في عهد عبدالناصر.

واستمرت لعنة «الدور» لتحل على بعث العراق تحت «صدام» الذي شن حرباً عدوانية على الجارة «إيران» دفاعاً عن الكرامة العربية في «القادسية» ولم يكتف بذلك، فغزا الكويت ونهبها، حتى إذا أرغم على الخروج محسوراً ومحاصراً، سعى لدور أكبر من أجل الحصول على سلاح نووي وكيماوي متحدياً العالم الذي يكيل بمكيالين إذ يسمح لإسرائيل ولا يسمح له.

ناطح طويلاً ثم سقط وفر وانتهى إلى حفرة تحت الأرض، قبض عليه فيها صاغراً ذليلاً وليحاكم أمام أنظار العالم وعلى مشهد من أتباعه الذين ناصروه زعيماً ملهماً.واستهوت لعبة «الدور» ليبيا على امتداد 3 عقود، فصرفت نصف ثروتها بحثاً عن دور خارجي لم تجن من ورائه إلا وبالاً وكانت عاقبة أمرها ـ حين رأت نذر الخطر ـ أن رجعت إلى رشدها وسلمت أمرها وأقلعت عما كانت فيه.

وما النزاع المزمن بين الجزائر والمغرب حول الصحراء إلا تنافس ـ غير معلن ـ من أجل دور خارجي مؤثر أو مهيمن. والسودان ـ بدورها ـ لم تكن بمنأى عن لعبة الدور المهلكة ولكن الكبار كانوا بالمرصاد. وحدها ـ دول الخليج ـ التي وصفها ـ عبدالله بشارة ـ بأنها الجزء السليم الصحي في الجسم العربي ـ في سفره الضخم ـ حماها الله من لعبة الدور القاتلة.

الآن ـ إيران ـ في ظل حكومتها الجديدة مصممة على تحدي العالم باستئناف نشاطها النووي ـ تطلعاً ـ إلى دور إقليمي مهيمن. ما كان أغناها عن ذلك!! شعب إيران أولى بتلك الثروة التي ستبدد ضياعاً. متى يشفى هؤلاء من هذا المرض الخبيث؟! متى يلتفتون إلى الشأن الداخلي؟! متى ينشغلون بالدور الداخلي لتحقيق رفاهية شعوبهم؟! متى يكفون عن لعبة البحث عن دور مميت؟!

كاتب قطري