بينما كنت أتابع دموع المستوطنين الصهاينة في مستعمرات غزة والضفة الغربية، ومشاعر الغضب الهستيري ضد قرار شارون بإخلاء هذه المستعمرات التي أقيمت على أراض ليست أرضاً لهم، تذكرت على الفور دموع النساء والأطفال والشيوخ الفلسطينيين وهم ينتزعون من قراهم وبيوتهم ليدفع بهم خارج أراضيهم إلى الشتات.

لم أتذكر الدموع والتهجير فقط، بل تذكرت المذابح والدماء الطاهرة في «دير ياسين» و«كفر قاسم» وغيرها من قرى فلسطين من قبل المنظمات الإرهابية الصهيونية بالسلاح والحرائق لإجبارهم على الرحيل إلى مخيمات على حدود فلسطين ليعيشوا حتى اليوم لاجئين في البلاد.ومما يثير الدهشة بشدة قول عدد من المستوطنين الغاضبين لأفراد الشرطة الإسرائيلية: «ستخرجوننا اليوم بالقوة، لكننا مصممون على «العودة» مرة أخرى إلى هذه الأرض، ليس لشارون الحق في التخلي عن أرض إسرائيل»ئ؟!!

وأثار ذلك مع الدهشة البالغة لهذا المنطق المعكوس والحقائق المقلوبة والدعاوى الزائفة شعوراً متزايداً بالأسى والتعاطف مع الملايين من أبناء الشعب الفلسطيني الصابر على هذا البلاء الصهيوني، والذين أقرت القرارات الدولية حقهم الشرعي في «العودة» لكن غطرسة القوة تمنعهم من أبسط حقوقهم الوطنية.

والغريب أن يسمح لكل يهودي صهيوني من كل جنس ولون ومن شتى قارات العالم بالهجرة إلى فلسطين والاستيطان في أراضي العرب الفلسطينيين والسكن في بيوتهم واغتصاب مزارعهم، ولا يسمح لأصحاب الأرض والوطن بالعيش إلى جانبهم في بلادهم!

والأغرب أن يُهجر يهود الفلاشا ويهود روسيا ويهود أميركا إلى فلسطين، بينما يُهجر العرب الفلسطينيون من فلسطين!

والأكثر إيلاماً أن يصمت العالم المتحضر والمتمدين والمتقدم الذي يصدع رؤوسنا بحقوق الإنسان وبالتسامح وبالديمقراطية بينما يرى هذه المفارقة المأسوية الظالمة بحق الشعب الفلسطيني، ولا يرفع صوته، ولا يتخذ قراراً بوقف هذا الانتهاك الصارخ لحقوق الإنسان.

إن شارون الذي يحاول من خلال الإخراج الهووليودي للانسحاب من مستوطنات غزة، وحملة العلاقات العامة العالمية التي يقوم بها الإعلام الصهيوني في العالم ليثير التعاطف مع «المستعمرين الصهاينة» على حساب شعور التعاطف مع «أصحاب الأرض الفلسطينيين», والظهور بمظهر «رجل السلام», يسعى في الحقيقة إلى التغطية على توسيع الاستيطان في الضفة الغربية ومواصلة تهويد القدس دون مقاومة عالمية.

وفي زيارته الأخيرة لفرنسا يدعو «رجل السلام» شارون مليون يهودي للهجرة والاستيطان في فلسطين بينما يقول لا لعودة اللاجئين الفلسطينيين!إنه لم يحدث عبر التاريخ كله أن سلم المستعمرون بحق الشعوب عن طيب خاطر، ولم ينسحب المحتلون من أي أرض على امتداد العالم إلا تحت ضغط المقاومة.

ولولا أن إسرائيل لم تعد تستطيع تحمل ثمن الاحتلال، بفعل أعباء وضغوط متعددة أهمها انتفاضة الشعب، وعمليات المقاومة والضغوط الدولية، بل والمليارات الدولارية الأميركية كثمن للانسحاب.ولولا أن الانسحاب من غزة سيسهل في ظن واشنطن وتل أبيب مواصلة وتوسيع الاستيطان في الضفة، وتجميد القضية لسنوات قبل أي انسحاب جديد، وإلقاء الكرة في الملعب الفلسطيني في محاولة لإثارة الاقتتال الفلسطيني في غزة،

ومطالبة بعض العواصم العربية المطيعة بمكافأة شارون، لولا كل ذلك ما انسحبت إسرائيل من مستوطناتها في غزة. ومع ذلك فجيش الاحتلال الصهيوني ما زال يحيط بغزة أرضاً وبحراً وسماءً، ومازال علينا عدم الوقوع في وهم زوال الاحتلال.. الذي حدث هو زوال المستوطنات من غزة وزيادتها في المرحلة التالية في الضفة تحت مخدر سياسي عام هو أن عملية السلام مستمرة،

بالرغم من أنه لا تحديد حتى الآن لموعد إجراء مفاوضات الوضع النهائي لبحث القضايا الأساسية المختلف عليها وهي الحدود واللاجئين والقدس ومن دون حلها حلاً عادلاً وفقاً للشرعية الدولية فسوف يظل السلام بعيداً.. بعيداً جداً. ومع الفارق الكبير بين صورتين..

تهجير أصحاب الأرض الشرعيين من الفلسطينيين عامي 48 و67، وبين إخلاء أرض غزة من المغتصبين الصهاينة عام 2005، فإن الشيء الأكيد أن العدل أساس السلام، وأن العدل تفرضه موازين القوة وإرادة المقاومة لفرض السلام بعودة الحقوق المشروعة لأبناء فلسطين في دولة فلسطين.

كاتب مصري