عندما حصلت الانتخابات الإسرائيلية عام 2003 خاض احد الحزبين الكبيرين المعركة على أساس برنامج يتضمن النقاط التالية:
1- إغفال أي ذكر لـ «اتفاق أوسلو» وللاتفاقات المعقودة مع الفلسطينيين خلال العقد السابق.
2- اعتبار أن أي مفاوضات يجب أن تخضع لأولوية مكافحة الإرهاب ومن اجل ضمان أمن دولة إسرائيل ومواطنيها.
3- رفض الاعتراف بأي مرجعية دولية يمكن الاستناد إليها من اجل تعريف الحدود بين دولة إسرائيل ودولة فلسطينية محتملة النشوء.
4- التأكيد بان الكتل الاستيطانية الكبرى ستضم إلى دولة إسرائيل.
5- اعتبار أن القدس، بأحيائها السكانية اليهودية (أي قدس ما بعد الاستيطان) هي العاصمة الأبدية لدولة إسرائيل.
6- مشكلة اللاجئين ستجد حلا لها خلال تسوية منطقية بمشاركة دول المنطقة والأسرة الدولية ولكن من دون منح الفلسطينيين حق العودة.
7- في حال عدم التوصل إلى اتفاق سياسي ستعمل الحكومة الإسرائيلية على الانفصال عن الفلسطينيين عن طريق تعيين حدود أمنية. ستقدم إسرائيل، حسب البرنامج، ووفقا لاعتبارات أمنية على انفصال أحادي سواء في مستوطنات منعزلة في منطقة يهودا والسامرة أم خصوصا في غزة.
من هو الحزب المشار إليه؟ انه حزب «العمل».
في ذلك الوقت، كان «ليكود» يشهد تنافسا بين ارييل شارون وبنيامين نتانياهو. انتزع الأول الصدارة وخاض الانتخابات على قاعدة برنامج يدعو إلى «تسوية» على ثلاث مراحل. في الأولى منها يفترض بالفلسطينيين الإقدام على إصلاحات أمنية ومالية وقضائية وتعليمية وعلى تفكيك منظمات الإرهاب.
وفي الثانية يتم التفاوض لإنشاء دولة فلسطينية مؤقتة بحدود غير نهائية على أن تشمل الأراضي المصنفة حسب «أوسلو» ب«أ» و«ب» (أقل من 40% من الأرض المحتلة). أما في المرحلة الثالثة فتبدأ مفاوضات حول المكانة النهائية للدولة وحدودها الدائمة. وكان معروفا أن شارون ملتزم بان تدوم المفاوضات حول الحل النهائي عقودا.
انتهت الانتخابات، كما هو معروف، بفوز ارييل شارون على ايهود باراك، ولكن لم تمض أشهر حتى ألقى شارون خطابا في «مؤتمر هرتسليا» الذي يعتبر موعدا سنويا لبحث ابرز القضايا الإستراتيجية التي تواجه إسرائيل. وفي هذا الخطاب أقدم شارون على انعطافة في رؤيته إذ دعا إلى تطبيق خطة انفصال من طرف واحد عن الفلسطينيين ونهضت مرافعة شارون على ثلاثة أسس اعتبرها محورية:
أولا: إن الخطة هي عقوبة للفلسطينيين لأنهم، بقيادة ياسر عرفات، يرفضون القراءة الإسرائيلية لـ «خريطة الطريق».
ثانيا: إن الخروج من غزة، أو إعادة الانتشار، هو مدخل إلى التوسع في الضفة وفرض أمر واقع في معظم أراضيها.
ثالثا: الهدف المركزي لإسرائيل يجب أن يبقى الاحتفاظ بالعلاقة التنسيقية الإستراتيجية مع الولايات المتحدة الأميركية.
مرت الأيام وها نحن نشهد ما نشهده الآن. ففي الوقت الذي تعيد إسرائيل انتشارها في القطاع مبقية إياه تحت سيادتها فإنها تطلق في الضفة نشاطا استيطانيا يعزز ما سبقه ويوحي أنها ماضية عبر الجدار والمصادرة وتكثيف الاستيطان في تجزئة الضفة وعزل مناطقها وضم قسم كبير منها.
إن ما فعله شارون، في الواقع، هو استعارة جزء من برنامج حزب «العمل» (الانفصال) وإدراجه في سياق برنامجه القائم، جوهريا، على رفض فكرة الحل الدائم والتسوية النهائية التعاقدية. ولقد سمحت هذه «الاستعارة» لشارون بضم حزب «العمل» إلى حكومته من دون إعطائه أي موقع يسمح له بالتأثير على المجرى العام للأحداث.
ليس غريبا، والحالة هذه، أن تبدو الحياة السياسية الإسرائيلية منقسمة بين تيارين: يميني يمثله ارييل شارون، ويميني متشدد يمثله بنيامين نتانياهو. ولقد أدى قرار المحكمة الحزبية في «ليكود» بتبكير موعد الانتخابات لرئاسة الحزب في اندلاع المواجهة التي يمكن لها أن تقود، بدورها، إلى انتخابات عامة مبكرة.
إن ما يجدر قوله في هذا المجال هو أن شارون لا ينظر إليه بصفته ابنا شرعيا لليمين القومي الإسرائيلي. صحيح انه انضم إلى «ليكود» بزعامة مناحيم بيغن ولكن الأصح انه فعل ذلك متأخرا. أن شارون اقرب إلى يمين حزب «العمل» أو إلى ما يسمى «المدرسة الأمنية العمالية» التي تخرج منها «جنرالات» من نوع ييغال بادين أو الون او موشيه دايان.
نتانياهو «بالمقابل، هو سليل العقلية الليكودية الإيديولوجية ولو ان «أمراء» الحزب أو أبناءهم بالأحرى ينظرون إليه بتعال. انه، بالتأكيد، «حيروني» أصيل سواء في ما يتعلق بالجموح التوسعي أو ما يتعلق بالميل الاقتصادي- الاجتماعي شديد الليبرالية. الصراع بين الرجلين سيكون ضاريا، والخلاف بينهما هو بين «التوسعي» و«التوسعي جدا». إلا أن هذا الخلاف يعكس تباينا سياسيا طالما ميز الحياة السياسية الإسرائيلية، لا بل الحركة الصهيونية قبل 48.
لقد كان هناك، على الدوام، من يدعو إلى إدراج المشروع الصهيوني في سياق المشروع الغربي الأقوى في المنطقة (بن غوريون بالأمس،ثم اسحق رابين وحاليا شارون)، ومن يدعو إلى فرض الأمر الواقع على المشروع الغربي ولو ادى ذلك إلى قدر من الصدام معه( جابوتنسكي بالأمس، ثم بيغن، ثم نتانياهو اليوم).
يعني ما تقدم أن ثمة أرضية جدية، في حال انتصر نتانياهو ضمن «ليكود» لقيام محور يضم شارون وشمعون بيريس. إذا حصل ذلك فهو الدليل الحاسم على أن مركز الثقل في الحياة السياسية الإسرائيلية قد انزاح إلى اليمين. لن يعود لليسار الصهيوني إلا أن ينعي نفسه بعدما أطلق رصاصة على النفس.
كاتب لبناني