الأجواء اللبنانية تلبدت من جديد. كثافة الغيوم تشير إلى أن البلد على أبواب شتاء سياسي عاصف ومبكر وهو مازال في فصل الصيف، في الأشهر الماضية كانت الهزات موضعية وذيولها عابرة أو مؤقتة؛ حكومية كانت أم انتخابية. الآن اختلفت الأمور، تداعيات اغتيال رئيس الحكومة السابق، رفيق الحريري، بدأت تلامس الأعصاب. لجنة التحقيق الدولية وصلت في عملها إلى محطة فاصلة.
القاضي الألماني ميليس أحال أربعة من قادة الأجهزة الأمنية إلى قاضي التحقيق اللبناني، الذي أصدر مذكرات توقيف وجاهية بحقهم.خلال العملية دخل السياسي على القضائي وعاد الانقسام الى ساحة الحكم، وعلى الفور ارتفعت حرارة الوضع وبدأ طرح سيناريوهات التغيير. وبذلك عادت الاطراف إلى التمترس في خنادقها. وقد حصل كل ذلك على خلفية من الشائعات، رفعت من منسوب الاستقطاب والاحتقان.
على هامش هذه المستجدات حصل تطور جديد: سوريا وجهت دعوة للمحقق الدولي، لاستجواب من يريد في دمشق. وقد تقرر ان تحصل هذه الزيارة فور عودة السيد ميليس من نيويورك؛ التي وصلها أول من أمس قادماً من بيروت. وفيما بدا أن كل شيء بالانتظار لغاية عودته وذهابه إلى سوريا،
إلا ان الوضع السياسي اللبناني يعيش تحت السطح، في حالة من الغليان، الذي تغذيه التكهنات والاشاعات، التي تتراوح بين الترويج للاعتقاد بأن ميليس وضع يده على الحقيقة وهو يؤجل الكشف عنها، وبين طرح علامات الاستفهام والارتياب. سيما وانه أرسل اشارات وربما رسائل متعددة، في مؤتمره الصحافي الأخير، يوم الجمعة.
المؤكد، حسب كل التقديرات، ان التحقيق وضع اصبعه على خيوط مهمة. وإلا لما كانت جرت توقيفات. وربما تبلورت هذه الخيوط قريباً. وبكل حال صدور التقرير النهائي للتحقيق الدولي، لم يعد بعيداً، حتى لو حصل تمديد لعمل اللجنة، فلن يكون أكثر من أسابيع قليلة؛ وفق المتداول في هذا الخصوص. وبالتالي بات لبنان يقف على عتبة استحقاق مفصلي، وربما خطير. ومدى خطورته يتوقف على مدى اجماع اللبنانيين لتقبل خلاصة التحقيق والتعرف بمقتضاه وعلى ضوئه.
فإذا كان الجميع على ثقة باللجنة وعلى موعد مع ما ينتهي إليه تقريرها؛ كذلك اذا كان الجميع يريد ـ كما كرر وردد ـ «الحقيقة» لأن فيها خلاص لبنان وخروجه من الأزمة إلى الانفراج؛ فإنه من المتوجب على كل الاطراف فرملة الاندفاع وترك التحقيق يصل إلى خواتمه؛
وبالتالي التوقف عن رسم المواقف المسبقة، والتشبث بها، مهما كانت النتائج التي يتوصل إليها التحقيق. فذلك محكوم بتعميق الفرز المؤدي في النهاية إلى أزمة حكم تدخل لبنان في نفق طويل جديد بدلاً من ان تخرجه من النفق الذي دخله منذ فبراير الماضي.