هل بدأ العد التنازلي للهيمنة الأميركية العالمية؟ هناك إجابة مبدئية على هذا التساؤل صدرت من باريس هذا الأسبوع. لقد قال وزير خارجية فرنسا فيليب دوست بلازي إن الولايات المتحدة التي أرادت تولي الأمور بنفسها في العالم «أدركت الآن حدود تحركها وتفردها».

ولمزيد من التوضيح قال: «بعد الفراغ الذي خلفه انتهاء النزاع بين الشرق والغرب (أي بين المعسكر السوفييتي والمعسكر الغربي) أرادت الولايات المتحدة من أجل تعزيز قوتها الواسعة السياسية والعسكرية والاقتصادية والثقافية أن تتولى الأمور بنفسها لكنها ترى الآن أن لهذه القوة حدودها».

ولو كان الوزير الفرنسي يتحدث إلى جماهير الشارع أو حتى إلى مراسلين في مؤتمر صحافي لجاز اعتبار قوله الخطير هذا ضرباً من الاستهلاك الخطابي أو في أفضل الأحوال تنظيراً أكاديمياً لكن الوزير كان يتحدث إلى جمع نوعي يتكون من ذوي الاختصاص المهني على أعلى الدرجات فقد كان يخاطب سفراء فرنسا في العالم في مناسبة اجتماعهم السنوي في العاصمة باريس.

عند زوال الاتحاد السوفييتي مع حلول عقد التسعينات ابتكرت العقول الدبلوماسية الأميركية مصطلح «النظام العالمي الجديد» كناية عن أن الولايات المتحدة أصبحت تنفرد بالسيطرة الكاملة والشاملة على العالم. وهذا المفهوم ترسخ عالمياً بعد أن شنت إدارة بوش الأب في عام 1991 الحرب الأميركية الأولى ضد العراق حيث شهد التاريخ للمرة الأولى صواريخ كروز التي تبحث عن أهدافها بنفسها وفق خريطة الكترونية.

ولكن بعد ذلك اختلف الأمر. فقد لقنت التجارب القتالية التالية أميركا درساً قاسياً مفاده أن حسم الحرب، كما قال ماوتسي تونغ، «لا يقرره مضاء السلاح ولا طبيعة أرض المعركة، وإنما تقرره قلوب الرجال». هكذا من خلال تجربة الحرب في أفغانستان وتجربة الحرب الثانية في العراق أدركت المؤسسة العسكرية الأميركية

أولاً أن صواريخ كروز تفقد جدواها تماماً عندما تنتقل الحرب إلى قتال ميداني أرضي بين بشر وبشر على أساس معركة إرادة ضد إرادة.. وأدركت ثانياً أن الحرب ليست بالضرورة أنجع وسيلة لتحقيق أهداف سياسية.والآن وبعد الفشل في أفغانستان والورطة في المستنقع العراقي يرى العالم كيف تتلاشى خرافة «النظام العالمي الجديد».. فأصبحت أميركا تواجه تحدياً من كل اتجاه.

إيران تتحدى باستمرارها في تنفيذ برنامجها النووي.. وكذلك كوريا الشمالية، وروسيا والصين تقيمان «حلف شنغهاي» لتحدي الوجود الأميركي في آسيا.وفنزويلا بزعامة هوغو شافيز تنهض لمجابهة النفوذ الأميركي في أميركا اللاتينية.وبالطبع فإن التحدي الأعظم بات يتمثل في تمرد الاتحاد الأوروبي بقيادة فرنسا وألمانيا.

ويبقى السؤال:

متى ينهض العرب للتحرر من إرادة دولة عظمى تتحالف مع الأمة اليهودية والحركة الصهيونية ضد حقهم في الحياة حتى بعد أن أثبتت الشواهد المرئية أنها قوة عظمى تعيش حالة عد تنازلي؟