يبدو أن الدستور الذي يفترض أن ينظم الحياة السياسية الوطنية في العراق ويساهم في إقامة السلم الأهلي سيكون مصدراً لمزيد من التوتر السياسي والفتنة الأهلية والتجزئة المجتمعية إذا لم يجر تدارك الأمور بسرعة. فالعراق الذي جرى فيه تهميش دور القوى والأطراف والشخصيات ذات الانتماءات العابرة للطوائف وتكرس فيه تطييف شبه كلي للسياسة.

يشهد حالياً أعلى درجات الصراع والتنافس بين الجماعات المكونة له وخاصة الجماعات الثلاث الأساسية، السنة والشيعة والأكراد. الجماعات التي تعيش لحظة يقظة الهوية، هوية الجماعة، بسبب القمع الطويل في الماضي بالنسبة للبعض والخوف من الإلغاء أو التهميش بالنسبة للبعض الآخر.

في هذا العراق تصبح العملية السياسية الخاصة بإعادة بناء الدولة أكثر من محاولة بناء عقد اجتماعي جديد بين دولة ومجتمع، إذ تواجه هذه العملية تحدي بناء عقد وطني جديد بين هذه الجماعات. شرط نجاح العقد الوطني في المجتمعات التعددية أن يبنى على الديمقراطية التوافقية بين الجماعات المكونة للعراق.

الديقمراطية التي لا تسمح بانتشار مشاعر الطغيان والحرمان أو الاستئثار والانكسار. الديمقراطية التوافقية تحفظ للجماعات حقوقها الأساسية وشخصيتها المميزة، ولكنها تجعل المواطنين متساويين في الحقوق والواجبات في الدولة الواحدة. إنه تحد صعب ولكنه غير مستحيل في عراق اليوم.

رغم ذلك كله حاولت واشنطن سلق عملية كتابة الدستور تحت عنوان احترام مواعيد تبقى مصطنعة وثانوية أمام استحقاقات مصيرية، بغية تحقيق انتصار أو إنجاز على ورق ليوظف داخلياً في الولايات المتحدة في ظل تراجع شعبية الرئيس الأميركي بسبب العراق وكأنما الهدف هو تحقيق استقرار ضعيف ومؤسسات هشة لترك العراق بعد ذلك لحروب بين أهله ولصراعات مكشوفة أو أخرى بالواسطة بين جيرانه.

تحاول واشنطن اليوم قبل الوصول إلى موعد الاستفتاء أن تصحح مسار العملية من خلال الإيحاء بأنه يمكن إدخال التعديلات على مشروع الدستور رغم أن قانون إدارة الدولة المؤقت لا يسمح بذلك. فاستحقاق 15 أكتوبر حين سيجري الاستفتاء على الدستور سيدفع إلى أزمة خطيرة في كلا الحالتين: فيما لو سقط مشروع الدستور إذا رفضته ثلاث محافظات أو فيما لو تم تمريره ضد إرادة الجماعية السنية، مما سيؤدي إلى المزيد من التعقيدات.

ثلاثة أوهام يجب التخلي عنها عند الجماعات العراقية الثلاث من أجل إنجاح مشروع الدستور: سنيا، لا يمكن الحلم بالعودة إلى صيغة الدولة الماضية الشديدة المركزية. شيعيا، لا يمكن الاحتفاظ بوهم هيمنة الأكثرية ضمن صيغ ضبابية، وكرديا لا يمكن التمسك بمنطق يقوم على جهوزية الدولة المستقلة والتهديد بذلك كل الوقت: التهديد الموجه من دولة الأكراد لدولة العراق إذا لم تكن الأخيرة بالشروط الكلية التي تريدها الأولى.

دون معالجة هذه الأوهام سيبقى الخطر ماثلاً من قيام دويلات الأمر الواقع في العراق تحت ستار شفاف وهش من الوحدة الوطنية: دويلة شيعية في الجنوب وأخرى كردية في الشمال، وساحة صراع مفتوح في الوسط، مما يكرس المنطق الطوائفي ويعززه ويضع مستقبل العراق كله أمام حائط مسدود.

بقدر ما يمكن تفهم شرعية المشاعر وراء بعض ردود الفعل على سياسات ماضية وعلى مرحلة سابقة وهي سياسات مدانة لكن لا يمكن تأسيس دولة الغد على منطق رد الفعل من خلال الانتقام من الماضي وتحميل البعض مسؤولية ذلك الماضي دون أن يكون مسؤولاً عنه.

فالفيدرالية ضرورية بالنسبة للأكراد بسبب الخصوصية التاريخية والاثنية للوضع الكردي، ولكن الفيدرالية في الجنوب ستكون وصفة من أجل خلق مسار تقسيمي في العراق. كما أن رفض عروبة العراق ككل كهوية وانتماء ثقافي واسع ومفتوح لجميع مكونات الشعب العراقي يقوم على احترام خصوصية هذه المكونات في عراق يبقى جزءاً أساسياً في أسرته العربية يحمل مخاطر جمّة على مستقبل العراق وعلى علاقاته العربية.

فلا يجوز تحميل العروبة كانتماء حضاري ثقافي واسع مسؤولية سياسات مرفوضة مورست في الماضي باسم نوع معين من عروبة عقائدية.ولنتذكر أنه إذا كانت الدولة الشديدة المركزية والسلطوية تشكل خطراً على المجتمع إذ تقمعه كلياً وتمنع التعبير عن تنوعه، فإن الدولة الهشة والضعيفة جداً أو الدولة الصورية تشكل أيضاً خطراً على المجتمع،

إذ تبقى دائماً جاذبة لمختلف أنواع التدخلات من الخارج، ومشجعة لمختلف أنواع الصراعات بين الجماعات العراقية في الداخل. فمن الضروري أن تكون الدولة السياج الحامي للمجتمع بكافة تضاريسه هي البديل عن الدولة السجن. هذا هو التحدي الذي تواجهه مختلف الجماعات العراقية بشأن مستقبل العراق.

كاتب لبناني