الإعصار المدمر «كاترينا» الذي ضرب قبل أيام، المنطقة الجنوبية من الولايات المتحدة الأميركية، وبالتحديد مدينة نيوأورليانز البحرية، كان بحجم الكارثة، من عيار غير اعتيادي. حتى بلد مثل أميركا، بقدراتها وامكاناتها، ينوء تحت حملها، الخسائر البشرية بالآلاف، والمادية بعشرات المليارات من الدولارات.

لكن خارج الأرقام والجانب الإنساني المأساوي ربما كان لهذه المحنة ناحية ايجابية ـ إذا جاز التعبير ـ، أو ذات مردود إيجابي، ولو على المدى غير القريب، ويتمثل ذلك في أن الجدل الدائر، فوق الساحة الأميركية، بشأن «كاترينا» وخرابها، شمل، أو بالأحرى جر إلى المزيد من تسليط الأضواء على مغامرته العراقية، ومن باب النقد اللاذع لها، مما زاد من صعوبة وضع الرئيس الذي بدأ يعاني ومنذ فترة، من الانكشاف والهبوط في رصيده، مع تعاظم الإدانة لحربه على العراق واحتلاله.

الرئيس يتعرض ومنذ ليلة الإعصار لحملة من الانتقادات الشديدة، بتهمة القصور وقلة الاهتمام، خاصة من جانب الأميركيين الملونين، من سكان المدينة المنكوبة، وبعضهم لم يتردد في توجيه اتهامات عنصرية له. لكن توجيه المآخذ له ولإدارته لم يقتصر على فقراء نيواورليانز، بل أنه تردد على لسان جهات سياسية وإعلامية معروفة، مثل نيويورك تايمز وغيرها.

فالمدينة بحكم موقعها المنخفض عن سطح البحر والقائمة على شاطئه عند مصب نهر المسيسبي الهائل، كانت دوماً عرضة للكوارث، من نوع الإعصار الذي ضربها، ثم ان التحذيرات من غضب وخطر «كاترينا» سبقت، بأيام، وصول العاصفة، وعندما وقعت الواقعة، تعامل معها الرئيس بوش وكأنها حالة عابرة، مرت أيام ثلاثة وأكثر قبل ان يحضر ـ كما يفعل هو أو أي رئيس عادة في هكذا حالات ـ ويقوم بمعاينة ميدانية للمكان، والأسوأ من كل ذلك،

وهذا ما أثار النقمة الواسعة، ان عملية الانقاذ كانت هزيلة ومتأخرة وعشوائية. مما ضاعف من حجم الخسائر والأضرار.وبعد التحقيق تبين ان ذلك يعود في الشق الأكبر منه إلى النقص في حجم قوات الحرس الوطني التي هرعت الى أرض الكارثة والتي تشكل، في مثل هذه الحالة، العمود الفقري لعملية الانقاذ. فهي موجودة أصلاً للإضطلاع بهكذا عمليات.

كما تبين ان النقص سببه ارسال قسم كبير من هذه القوات الى العراق. ومن هذه البوابة انفتحت النار من جديد على الحرب وأخذ الجدل شحنة جديدة مرشحة لإرباك الرئيس اكثر مما هو مرتبك، داخلياً، في هذا الخصوص لاسيما وان حجم الكارثة التي لم يتكشف بعد مدى عمقها واتساعها كفيل بأن يشحن النقاش لفترة غير قصيرة.

الرؤساء الأميركيون ما سبق ان خافوا، في حروبهم، من شيء أكثر من انقلاب الرأي العام الداخلي ضد تدخلاتهم العسكرية، حرب بوش على العراق بدأ ينكشف أمرها منذ أشهر وها هو «كاترينا» يأتي ليلعب دوره في مفاقمة ورطته في هذه الحرب.