بعد مرور ما يزيد على ثلاثة عقود منذ الاستقلال، ونشوء دولة الإمارات العربية المتحدة، بات من المستهجن ان نسمع حديثاً عن العجز في ميزانية التعليم، فذلك أمر غير مقبول في دولة تعد من الدول التي تشهد، بشكل ملحوظ، معدلات عالية في النمو. فقد شهدت دولة الإمارات العربية المتحدة، منذ نشوئها، تحولات سياسية وإقتصادية واجتماعية، قياسية بالمعدلات المتعارف عليها عالمياً.

ومن باب التذكير، فعندما بدأ التعليم في هذه المنطقة التي أصبحت دولة لإمارات، في بداية العقد الخامس من القرن المنصرم، كان عدد الطلبة لا يزيد على ثلاثمئة طالب، في حين ارتفع هذا العدد، في بداية الألفية الثالثة، إلى ما يزيد على النصف مليون طالب وطالبة، في جميع مراحل التعليم التي تسبق الجامعة.

وقد حصل هذا التطور المتميز بفعل عاملين مهمين تكاملا مع بعضهما، اولهما الثروة النفطية وثانيهما القيادة السياسية للدولة الاتحادية التي جعلت من موارد النفط، وسيلة للتخلص من مظاهر التخلف التي عاشتها هذه المنطقة منذ عام 1820 وحتى بداية العهد الجديد في أوائل العقد الثامن من القرن العشرين.

كان أبناء الإمارات، يعتمدون على المساعدات التي تقدمها دول الجوار، بدافع الصلات القومية والتاريخية التي تميز هذه المنطقة، في تخطي مرحلة التخلف. وقد لعبت المساعدات المصرية، أيام الزعيم الخالد جمال عبدالناصر، دوراً لا يمكن نسيانه في دعم التعليم في هذه المنطقة.

لقد كان لأولئك المعلمين العرب دوراً أساسياً في القضاء على الأمية والجهل في مجتمع الإمارات، وفي نشر التعليم متحملين شظف العيش في بيئة طاردة للإنسان. وكان الاصرار على التمسك بمبدأ كون الإنسان المتعلم هو محور التطور والتقدم، من قبل أولئك المعلمين بمثابة الشمعة الأولى التي انارت الطريق للوصول إلى ما نحن فيه حالياً.

ومما لا شك فيه ان القيادة السياسية في المرحلة ما قبل الاتحادية لعبت دوراً في تطوير التعليم، سواء كان ذلك في الاهتمام المتميز بقطاع التعليم، الذي أبداه الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم و الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان أو غيرهما من حكام الإمارات، رحم الله الجميع من ذلك الجيل الذي ساهم في كتابة تاريخ الإمارات في فترة ما قبل الاتحاد وما قبل النفط.

إلا ان الواقع الحالي، يدعو إلى الحزن، في الوقت الراهن، خاصة حينما يطرح، وبشكل علني، وعلى مدى سنوات عديدة، بأن العجز المالي عائق أمام تطوير التعليم، وعائق أمام استيعاب اعداد أخرى من الطلبة، من المواطنين سواء في جامعة الامارات أو في كليات التقنية.فكيف يحدث هذا، في دولة الإمارات العربية المتحدة، التي تقدم المساعدات المالية لمنكوبي العالم، خاصة في ظل الارتفاع الكبير في أسعار النفط إلى أرقام خيالية!!! هل هو مؤشر على التراجع في برامج الدولة الاتحادية، ام هو مؤشر على أشياء أخرى.

لنعد إلى الوراء قليلاً، فحينما صرح سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، ذلك الإنسان الذي يعتبر نموذجاً للقيادة في الوطن العربي، وهو نجل ذلك الإنسان الذي خلق من مدينة عربية صغيرة، مدينة سابقة للزمن، منذ مشروع ميناء جبل علي ومروراً للنظرة بتحويل دبي إلى مدينة قد تنافس منهاتن في نيويورك، (كما أكد أحد سكان مدينة نيويورك، في صيف هذا العام.

إن دبي هي نموذج للعولمة بمفهومها الإنساني، وأكد سموه كذلك على ضرورة الاهتمام بالتعليم، وحينما قال سموه إن التعليم قبل التسلح، فهو بذلك قد ربط مقومات النهضة، بالتعليم وإعداد الإنسان المتعلم.إن الإيمان بأن العلم والإنسان المتعلم هما الثروة الحقيقية، يجعلني أعود إلى الوراء، إلى التجربة اليابانية الجديرة بالدراسة، حينما أكد الفيلسوف الياباني ماجي على أهمية الإنسان المتعلم في نهضة اليابان، وما لعبته هذه المقولة في إستراتيجية التعليم في اليابان.

ويتبادر للذهن، بشكل مباشر، سؤال عن أوضاع المعلم بين مرحلة ما قبل الاتحاد والمرحلة الحالية، هل من المقبول في دولة الرفاه والتقدم، ان تكون هنالك أزمة، بل وكارثة، في مجال التعليم. والمبكي في الموضوع ان دولاً أخرى، لا يمكن مقارنتها بالإمارات، من الناحية الاقتصادية، لا تعاني من المشكلة نفسها. فماذا سيكون حجم الكارثة لو كان عدد السكان من المواطنين مليون نسمة!،

فهل سيتم اغلاق وزارة التربية والتعليم حينذاك، وتعود إلى مرحلة ما قبل الاتحاد، الا يعني الإهتمام بالتعليم القضاء ولو جزئياً على مشكلة العمالة الوافدة، وهو أحد أهداف الدولة. ان ما يحدث هو خروج عن طموحات مؤسسي الاتحاد الأوائل، وهو غوص في مجهول لا يعلم بنتائج السير فيه إلا من لا يدرك دروس التاريخ،

وفي هذا المجال لن يرحم التاريخ تجار المدارس الخاصة، حيث تبرز المفارقات بين فلسفة التاجر الجشع وفلسفة «ماجي»!! فإلى أي رأي نقف في مرحلة لا ترحم من لا يراعي الحقائق التاريخية، ألم يكن من الأولويات الاستمرار في انتشال ابناء الوطن من براثن الجهل.

إن التعليم هو المستقبل، وان كل حامل شهادة هو جزء من مركبة تتجه نحو المستقبل، وعدا ذلك فهو هباء منثور، أو زبد في البحر، قد يغري البعض إلا إنه مسمار في نعش الجميع. هل يدرك كل عقل ووعي وطني ان العلم هو الأساس، وان المال يخلقه ذوو العقول، وان الذي لا يملك ذلك، قد يكون زوبعة قاتلة.

رئيس وحدة الدراسات - البيان