الافتراض العام أن كل الوطن العربي يخضع لمحاكمة غير علنية، قياساً للظروف القائمة والقديمة، لكننا لا ندري من المتهم والبريء في هذه العلاقة المتشابكة بين الدول مع بعضها، وأوضاعها الداخلية الأكثر انقساماً، والمخاطر التي تهدد كيان كل دولة، لأنه لم يعد هناك من لديه الحصانة الذاتية من حالات الاختراق الأمني حين تعرضت العراق للحروب وتنتهي بالتقسيم، أو الحروب الأهلية، ولبنان الذي لا يتعافى من مرض حتى يسقط بأخطر منه، والدور على السودان ودول المغرب وربما لا تنجو من هذه المخاطر دول أخرى إذا ما اعتبرنا حلقات الأزمات المتلاحقة تطوق هذه المنطقة بأسرها.

في الأمس القريب اختلفنا بعلاقاتنا الدولية من كان نهجه صحيحاً من يركض خلف سراب الشرق اليساري، أم من يذعن للغرب الرأسمالي، وفي هذه المماحكات سقط الوطن الصغير والكبير، وتحولت نجومية العسكر، إلى هزائم وفواجع، وحتى الذين اعتبروا إسرائيل عدواً مطلقاً، اختاروا ما سموه «بالواقعية السياسية» مع انه كان من المجدي عدم تفجير الحروب، واقتطاع الكثير من الأرض العربية واحتلال كل فلسطين، لماذا تأخرت هذه الواقعية قديماً بدون خسائر، ليصبح التراضي على السلام معها موضوعياً، ومن يحاكم في هذه التناقضات إذا اعتبرنا ما جرى ليس تطوراً إيجابياً بل عكسي؟..

لا أحد يتجاهل وعياً نشأ خارج التوجيه القسري للأحزاب والحكومات العربية ليأخذ منحى إيجابياً وسلبياً، عندما تعتمد بعض المنظمات الإرهابية صورة التغيير وفق نمطها وتفكيرها الخاص، والآخر يأخذ بمبدأ الحاجة للأخذ بحالة كل بلد وتجاذباته الداخلية، سواء جاءت على صور طائفية، أو قبلية، أو قومية، لكن أن تنشأ في ظل ذلك صورة جديدة عن فدرالية مذهبية، أو طائفية لتصل إلى الفدرالية العائلية بالمجتمعات المتناهية الصغر، والتي لا تحمل مؤهلات دول تقوم على اقتصاد كبير، وجغرافيا تغذي تلك التوليفات بسياسة اقتصادية تأخذ بمبدأ حق الإقليم، ولا تنسى الطائفة وغيرها، وتعمل على التعددية بنطاقها الموضوعي، فإن كارثة هذا الطرح قد تلغي حتى مسمى الدولة الوطنية، والهوية القومية..

التعايش العربي أصبح مستحيلاً يهدد الوحدة الوطنية، وهذا النمط من التغيير قد يقود إلى شكل جديد من التفتيت، وحتى لو آمنا أن هذا الطرح استعمارياً يخدم إسرائيل، فالأدوات المستعملة للتنفيذ تأتي من فئات متجذرة بهذه الأرض، لكنها عجزت أن تحمي وحدتها واستقلال قرارها وهنا الكارثة التي لا ندري إلى أي نتيجة ستقودنا..