في البداية لا بد من التأكيد على حقيقة بديهية: وهي ان كل دولة في هذا العالم لديها الحرية المطلقة في التعامل، دبلوماسيا واقتصاديا وثقافيا، مع اي دولة اخرى وذلك حسب ما يعرف بالمصالح الخاصة للدولة التي تقيم علاقات من هذا القبيل، او لوجود مصالح مشتركة بين الدولتين، وربما بسبب ضغوط خارجية تدفع بالدولة «س» الى طلب مصادقة الدولة «ص» حفاظا على علاقات متميزة مع دولة ثالثة - وهذه معادلة سياسية تنطبق على حالات معينة في المجتمع الدولي المعاصر.
وقد لا تكون هناك اهمية تذكر للجوار بين الدولتين المعنيتين، حيث ان من الممكن ان تكون العلاقات بين الدول المتجاورة سيئة، او ربما تصل الى حالة حرب ساخنة او باردة، الا ان التقارب الذي تحدثت عنه وكالات الانباء بالأمس بين باكستان واسرائىل هو من النوع النادر، ولا يمكن تصنيفه الا باعتباره نموذجا على المعادلة السياسية المشار اليها آنفا: اي اقامة علاقات مع دولة ثانية لارضاء دولة ثالثة، هي الولايات المتحدة، التي تشترك مع الباكستان في الحرب التي يطلق عليها اصطلاح «الحرب العالمية على الارهاب» ، تلك الحرب التي اكتسحت دولتين احداهما اسلامية هي افغانستان، والثانية عربية وهي العراق.
وفي نهاية المطاف، فلا احد يملك الحق في انتقاد قرار سيادي باكستاني بتدفئة العلاقات مع اسرائيل والتلميح الى امكانية اقامة تمثيل دبلوماسي بين الباكستان واسرائيل، لا سيما وان الرئيس الباكستاني تحدث عن ضوء اخضر للسير في هذا الاتجاه، منحه اياه كل من الملك السعودي عبد الله بن عبد العزيز والرئيس محمود عباس من جهة، كما ان العديد من الاقطار العربية الشقيقة، دون ذكر الاسماء، تقيم علاقات تجارية او سياسية مع اسرائيل، سواء اكانت تلك العلاقات علنية، ام من وراء ستار، هذا من الناحية الثانية.
والسؤال المطروح، في حالة الباكستان هو: هل هذه الدولة الاسلامية قريبة جدا من الناحية الجغرافية على الاقل، الى اسرائيل؟ ربما يجد المراقبون تفسيرا او تعليلا مقبولا، او غير مقبول، لاقدام دول خاضت حروبا ضد اسرائيل منذ انشائها، وهي بالتالي ضمن مجموعة الدول المرشحة لعقد سلام مع الدولة العبرية، او هي عقدت معاهدات سلام بالفعل، لاقدام هذه الدول على طي صفحة الحروب والمواجهات، وفتح صفحة جديدة مع اسرائيل. الا ان من غير المفهوم على الاطلاق ان تسارع دول بعيدة من الناحية الجغرافية عن اسرائيل، لاقامة علاقات معها، قبل التوصل الى تسوية سلمية عادلة للصراع الفلسطيني - الاسرائيلي، وقيام الدولة الفلسطينية المستقلة.
واذا كان الرئيس الباكستاني، برويز مشرف، حريصا على استقلال بلاده وراغبا في ابعاد شبح المخاطر والتهديدات الاجنبية عن الباكستان المستهدفة من جهات عدة (وقد احتوى بالفعل عددا من هذه التهديدات) فان عليه ان يتذكر ان هناك مخاطر داخلية قد تنجم عن خطوته هذه. وقد بدأت هذه المخاطر تطل برأسها فور الكشف عن لقاء استانبول بين وزيري الخارجية الباكستاني والاسرائيلي، ولم تكن الضغوط التي يفترض ان مشرف قد تعرض اليها بذلك القدر من القوة بحيث تبرر تعجله في اقامة علاقات مع اسرائيل - كائنا ما كان نوع هذه العلاقات - ودون ان تكون اسرائيل قد اعترفت بحقوق الشعب الفلسطيني، وانسحبت من الاراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967.