مثل مجلس الوزراء يقع مقر البرلمان العراقي داخل «المنطقة الخضراء»، أي تحت حماية القوات الأميركية، وهكذا فإن كل واحد من «ممثلي الشعب» مدين لجنود المارينز في بقائه على قيد الحياة. أما خارج المنطقة الخضراء فإنه بعد مقتل 1900 أميركي حتى الآن يعتبر المارينز الأحياء أنفسهم مدينين للقدر.. أو الحظ.

هذا هو المناخ الذي جرت فيه جلسات البرلمان لمناقشة وإجازة مسودة الدستور الوطني. وعندما يحل موعد عرض المسودة على استفتاء شعبي في منتصف أكتوبر سيكون هذا المناخ الإهابي أكثر تفاقماً.وإذا اعتبرنا المسودة الدستورية وثيقة شرعية كما يردد السفير الأميركي الذي فرض حضوره في جلسات البرلمان، فإننا يجب أن نصدق ـ ضد التاريخ، والحاضر والمصير ـ إن العراق ليس دولة عربية.

ولكن كيف تكون شرعية والبرلمان الذي أقرها وليد مسرحية انتخابية من تأليف وإخراج القيادة الاحتلالية الأميركية. وتستطيع أن تراهن أنه إذا خرجت القوات الأميركية من العراق فإن كل واحد من هؤلاء البرلمانيين ومن ورائهم الوزراء سوف يحزم حقائبه ليبدأ حياة جديدة في بريطانيا أو الولايات المتحدة.

وكما نذكر فإن وضع الدستور يقع ضمن جدول زمني رسمته الإدارة الاحتلالية ليفضي في نهاية المطاف إلى «انتخاب» حكومة عراقية جديدة في ديسمبر «تطلب رسمياً» من واشنطن إبقاء القوات الاحتلالية الأميركية إلى أجل غير معلوم.وعلى هذا النحو تأمل إدارة بوش في إقناع المجتمع الدولي ببقاء الحالة الاحتلالية لتواصل القتال ضد المقاومة العراقية المسلحة تحت غطاء شرعي.

لكن هذا التنظير المفعم بالتفكير الرغبوي يكذبه الواقع المتحرك على الأرض. ذلك أن على بوش أن يقنع أولاً شعبه بأن القوات الأميركية تحقق نجاحات عسكرية ضد المقاومة. فالتذمر الشعبي المتصاعد داخل الولايات المتحدة نفسها يتفجر ويزداد يومياً بعد أن اكتشف الشارع الأميركي أن الرئيس درج على إصدار بيانات انتصارات وهمية في الميدان العراقي.

ومع التراجع المتوتر في شعبيته من خلال الاستطلاعات فإن نغمة بوش أخذت الآن تختلف. فقد تلاشت عبارات التحدي ليحل مكانها «مناشدات» إلى الشعب الأميركي للتذرع «بالصبر».هكذا تتردد أصداء الهزيمة الأميركية التاريخية في فيتنام خلال النصف الأول من السبعينات. ففي ذلك الحين أدرك الشارع الأميركي بوادر الهزيمة قبل أن تكتمل. والآن يعيد التاريخ نفسه.

ويقول بوش إن الولايات المتحدة سوف تسحب قواتها من العراق حالما تستوثق من قدرة القوات الأمنية العراقية على مواجهة قوات المقاومة وكسر شوكتها.إنه منطق غريب، فإذا كانت القوات العراقية عاجزة عن مجابهة المقاومة المسلحة حتى في حضور القوة الاحتلالية الأجنبية فكيف يكون حالها في غياب هذه القوة الأجنبية؟