وسط زحام السيارات التي توافدت بشكل يدعو إلى الرثاء على مدى يومين متواصلين على محطات البترول قبل البدء في تطبيق الزيادة على أسعار البنزين والديزل في الدولة كانت الوجوه المنتشية الوحيدة ساعتها هي وجوه العمال القائمين بتزويد السيارات بالبنزين كما لو كانت الزيادة في المبيعات التي تسجلها المحطات ستصب في جيوب هؤلاء المساكين.
قلت للعامل: ما الذي يجري؟ ما هذا الازدحام؟ ضحك بصوت مسموع ورد عليَّ: ابتداء من الغد سترتفع أسعار البنزين الأمر الذي دفع السائقين على مدى يومين متواصلين لملء خزانات سياراتهم قبل حلول الغد. ما حجم هذه الزيادة ؟ سألته . كان متجاوبا رغم استعجال من كان ينتظر دوره خلفي: حاليا سعر الغالون الواحد 75,4 دراهم وغداً سيصبح 50,6 دراهم فزاد الضغط على المحطات.
ان يتوافد الأشخاص بهذا الشكل المأساوي لتزويد سياراتهم بالكامل أملاً في توفير بعض الدراهم لبعض الأيام المقبلة فقط يشير بجد إلى معاناة حقيقية لا يمكن وصفها مهما أفاضت الصحف في تقديم التفسيرات والتحليلات والتغطيات ومن أفواه جميع الفئات من مستهلكين وخبراء اقتصاديين ومحللين ماليين ومسؤولين في دوائر ومؤسسات رسمية وغيرهم. قضية الغلاء موجودة ، ومسلسل استغلال زيادات الرواتب متواصل وحلقاته أصبحت طويلة ومملة والأبطال فيه معروفون ولكن لا احد يستطيع ان يتخذ قراراً بوقفه.
عندما ارتفعت أسعار العقارات وتبعتها أسعار السلع الاستهلاكية تجر في ذيلها رسوم المدارس الخاصة وذلك قبل أشهر فقط وتحدث الكثيرون وتألم الناس وأفاضت الإذاعات والصحف بالشكاوى والماسي ورغم ذلك لم يتغير شيء. وموقف اليوم لن يختلف كثيرا عن الأمس.. والزيادة في الرواتب التي استثنيَّ منها الكثيرون أساساً تحولت من نعمة إلى معاناة، المواطن
ومعه الوافد البسيط الذي جاء لتوفير بعض المبالغ وتحسين وضعه يبدو انهما المتضرران الأساسيان في هذه العملية. وان كان هناك من مخرج من هذا الوضع المتأزم وخيار أمام الوافد للعودة إلى وطنه فالمواطن قضيته شائكة وخياراته معدومه. هناك شريحة ثالثة صاحبة الأرصدة الرنانة
والتي لا يقدم لديها زيادة الأسعار ولا يؤخر لأن حساباتها فوق هذه التفاهات اليومية فهم الوحيدون من يصمون الأذان وينتظرون في المقابل قرارات جديدة برفع أسعار إضافية. هم الوحيدون من لديهم مفهوم عن السوق الحرة والعرض والطلب يختلف عن مفاهيم الاقتصاد ودوره الحقيقي في تنمية المجتمع وضمان استقراره.