تطور انقسامي جديد، وخطير في فحواه، أطل علينا مع المسودة الأولى للدستور العراقي العتيد الذي أقرته الجمعية الوطنية بعد طول جهد وأخذ ورد داخل الساحة العراقية وبين أحزابها. والتطور الخطير جاء هذه المرة من مواد الدستور ذاته، في ظل انقسام كبير في الشارع العراقي بشأن المواد الخلافية التي تضمنها الدستور.

وغالبيتها مواد ونصوص صريحة تفتح المخاطر أمام إمكانية التقسيم اللاحق بدلاً من الحفاظ على وحدة التراب العراقي في ظل إخاء ومساواة تامة بين جميع المواطنين من كل الإثنيات والقوميات التي تتشكل منها الخارطة السكانية العراقية، بالرغم من التصريحات المتفائلة التي أطلقها السفير الأميركي زلماي خليل زاده.

فعملية التجاذب والتنافر ـ الشد والاسترخاء في الحالة العراقية لم تأت من فراغ، على ضوء اتساع التباين بين الكتل الرئيسية التي تشكل قوام الحالة السياسية العراقية، والتشكيلة الفسيفسائية الاثنية الطائفية التي لا تستجيب أصلاً لبناء مستقبل للعراق الجديد يستوعب وقائع الحياة وتطوراتها.

ولم تكن عملية التجاذب ـ والتنافر إياها سوى حصيلة منطقية لحالة التخبط التي يعانيها العراق بشكل عام بعد عامين ونصف من الاحتلال، وفي ظل الأفق المسدود الذي بدأت تستشعر به الإدارة الأميركية لمآل الوضع النهائي للعراق، تماماً كما عبر عن هذا، وزير الدفاع ومنظر الحرب على العراق دونالد رامسفيلد في تصريحاته التشاؤمية في آر زيارة له إلى بغداد قبل مدة قصيرة من الزمن.

وما زاد من سوء الرؤية، هذه المظاهر من الانفلات الأمني والفوضى الدموية التي يسبح العراق في بحرها، والهزات الدموية الداخلية، هذا إذا ما أضفنا بأن عامل المقاومة الحقيقية بأشكالها المختلفة باعتباره عاملاً جديداً ما زال في طور التشكل والتنظيم أصبح الآن عاملاً حاسماً في تقرير سير الأوضاع وفق المنظور المرئي، وفي تقرير مدى وإمكانية فشل ـ أو نجاح خطوط المشروع الأميركي تجاه ما يسمى «إعادة تأهيل العراق» وبنائه من جديد بفاتورة إعمار باهظة تقدرها المصادر الأميركية بما يفوق الـ 400 مليار دولار أميركي.

وبشكل صريح ومباشر، نستطيع القول بأن القضايا الإشكالية التي تهيمن على أجواء البحث داخل العراق، والتي تشكل العنوان الأبرز للرفض الشعبي المتنامي لمسودة الدستور، ترتكزعملياً على مسائل عروبة العراق والفدرالية وضمان مستقبل أبناء العراق في ظل المساواة التامة بين أبنائه.

فحل معضلة الدستور، وتخليصه من عوامل التقيح المشوبة بها في ظل الاستفتاء القادم بشأنه من خلال رفض مسودته وإعادة التوازن إليه، فرصة من أجل صياغة المستقبل السياسي للعراق على يد أبنائه، واستكمال بناء الدستور على أسس عصرية ديمقراطية. ومن موقع الموضوعية والإنصاف، نقول، نعم ان هناك مواد مضيئة ولامعة وايجابية في مسودة الدستور،

لكنها محجوبة أمام النقاط التي لا تقبل ولا تحتمل القبول بها نظراً لمخاطرها على مستقبل العراق، فمسودة الدستور تشير إلى حقوق الأقليات والمساواة التامة، وتوزيع الثروة في سياق سياسة التنمية على امتداد أرض العراق، والى الحقوق الديمقراطية والانتخابات الخ.

ان الحراك القائم راهناً في العراق بشأن مسودة الدستور والاستفتاء عليه، بين الإطارات الشعبية خصوصاً السنية منها والعديد من قوى ما كان يسمى بمجلس الحكم الانتقالي، هذا الحراك يعبر في أحد وجوهه عن الثقة المهتزة بين الشارع العراقي بأغلبيته وبين معارضات الأمس والقوى التي وفدت الى العراق بعد الاحتلال في 9/3/2003.

وعلى هذا الأساس يمكن للمتابع أن يلحظ توزع وتنازع مواقف القوى العراقية العائدة ـ الوافدة إلى العراق، فضلاً عن الموجودة أصلاً قبل سقوط النظام، بشأن مسودة الدستور بين أربع كتل رئيسية:

1 ـ الكتلة الأولى المندفعة نحو التصويت لمسودة الدستور بصيغته الراهنة، وهي الكتلة التي انسجمت مع مشروع الحرب الأميركية، وهذه الكتلة تحظى بالرعاية الأميركية الكاملة حيث أبواب الدعم مفتوحة أمامها منذ زمن طويل، ويقتصر وجودها في الشارع العراقي بين المجموعات الأرستقراطية العراقية الوافدة من المهجر الأميركي.

2 ـ الكتلة الثانية وتضم الاتجاه الإسلامي الرئيسي بقيادة المجلس الأعلى للثورة الإسلامية، وبعض الأحزاب الإسلامية القريبة منه ذات المذهب الشيعي كحزب الدعوة وهي أحزاب متحفظة على مسودة الدستور، بينما تنحو بعض الأحزاب والتيارات الإسلامية الشيعية إلى رفضها، كتيار مقتدى الصدر والخالصي. بينما تتجه غالبية القوى والمؤسسات الإسلامية السنية إلى رفضه.

3 ـ الكتلة الثالثة وتضم مجموعات ما يمكن تسميتها بقوى التيار القومي وقوى التيار الديمقراطي اليساري، وبعض منها قوى تحمل تاريخاً من الفعل والفاعلية في الوسط العراقي إلا أنها تراجعت وانكفأت مع التراجع الذي أصاب معظم قوى التيار القومي واليساري، وتعيش بمعظمها حالة من التخبط وفقدان البوصلة، متأرجحة في مواقفها.

4 ـ وباقي القوى القومية الصغيرة الفاعلة بين أقليات التركمان والاشوريين ومع أن إسقاط النظام السابق شكل دوماً عامل لقاء ومحط إجماع رئيسي لهذه القوى، إلا أنها تتباين أيضاً فيما بينها بشأن مسودة الدستور، وفي النظر إلى مستقبل العراق، وبشأن دور كل منها في اقتسام كعكة التمثيل والنفوذ الكردي،

وأغلبها قوى اعتمدت تاريخياً نهج الاستقواء بالعامل الخارجي الذي وقعت ضحيته أيضاً فزادت من معاناة الشعب الكردي بمجموع أخطائها السياسية على المستويين التكتيكي والاستراتيجي، وطغى على سلوكها السياسي نمط التقلب والتحالفات الخارجية.

كاتب فلسطيني ـ دمشق