عشنا زمناً لم يعجبنا.. دورنا فيه حول أنفسنا.. كانت ساعته واقفة.. لا تمر.. سيطرت على أيامه مستعمرات العنكبوت.. وقدمت عقولنا استقالة جماعية.. فقد تعبت من التقصي والكشف والبحث عن الحقيقة.. وجلست في المقهى تمارس الخطابة والخرافة وتتخيل أبطالاً مصنوعين من دخان الحشيش.. اختبأنا وراءهم كي نخفي جبننا وعجزنا عن أن نكون أبطالاً لحسابنا الخاص.

كانت الحرية في هذا الزمن موظفة عند الحكومة.. تأكل.. وتشرب.. وتقبض مرتبها منها.. وتدعو لساداتها وسلاطينها على كل منبر بطول العمر.. وامتداد البقاء.. تحولت الحرية من فهد آسيوي سريع الانقضاض على العجز والفقر والقهر والكبت والتخلف إلى دجاجة منزلية أليفة.. ترقد على بيضها طول العام.. ثم تكتشف أن بيضها فارغ.. وحملها كاذب.

كنا ننتظر ما لا يأتي.. ونفرح باكتشاف ما هو معروف.. ونسبح بكلمات النفاق المطرز ببديع البيان الذي تجاوزه الزمان.. باسم الشرعية حرمونا من الخروج إلى البرية.. وباسم القدسية فرضوا علينا الإقامة الجبرية.. وباسم هيبة الدولة سحقت كرامة الأمة.. الأفكار الجديدة كانت مكفنة بكلمات قديمة.. والمباني الحديثة كانت مشيدة بحجارة عتيقة.. شيخ الجامع أصبح ضابطاً.. والضابط أصبح واعظاً.. السلطة تفرغت للمضاربة في البورصة..

وصائدو الثروة لم يفوتوا الفرصة.. الفقراء انتظروا معجزات الأنبياء.. ثم.. توقعوا كرامات الأولياء.. ثم.. لم يعد أمامهم سوى حسنات البسطاء.. ولعنات السفهاء.صرفوا لعيوننا عدسات ملونة.. ليتحول الأسود إلى أبيض.. والأصفر إلى أخضر.. والشحوب إلى حمرة.. والضعف إلى قوة.. والهزال إلى صحة.. والقبور إلى قصور.. والفأر إلى ديناصور.. ورغم أن تلك العدسات ضاعت منا فإننا ظللنا ننظر إلى الأشياء كما صوروها لنا.. فقد انتقلت سيطرة الصورة الوهمية من عيوننا إلى عقولنا.. فراحت تتسكع في عروقنا.

من يمارس خطيئة الحرية فهو متهم.. من يخرج عن غريزة القطيع فهو متهم.. من يحاول أن يغير ما حوله بالكلمات فهو متهم.. من يحاول تمزيق الفرمانات القديمة فهو متهم.. من يعترض على تدخل الأموات في شؤون الأحياء فهم متهم.. وعندما يكون الاتهام جاهزاً ليكون من نصيب كل من يفكر ويكتب وينفعل ويحتج ويرفض فإن المجتمع يصبح قفص دجاج كبير.. لا يحق للناس فيه سوى أن يؤمنوا بالتقية.. ويتصرفوا بدونية.. ويختزنوا أحلامهم ويوفروا عضلاتهم على طريقة المياه الجوفية.

كان لابد من غرس دبوس حاد في جلدنا.. وعملية غسيل كاملة لأدمغتنا.. وقرار شجاع يخلع أكفاننا.. وهجوم كاسح للتخلص من الدراويش والخفافيش في حياتنا.. وقرار أكثر شجاعة بمحاكمة قارئي الكف وفاتحي المندل وبائعي الأحجبة وطبول الزار وناشري «ألف ليلة وليلة» و«رجوع الشيخ إلى صباه» ونجوم البيوت السرية التي تحرض على الدعارة الفكرية والسياسية والحزبية وتدبر كل يوم فضيحة عارية ومهينة وسخيفة للحرية.

وعشنا وشفنا زمنا آخر.. انكشف فيه المسرح.. وصار بوسع الجمهور أن يرفض النص.. ويطالب بتغيير البطل والمخرج وعامل الإضاءة ومهندس الديكور وقاطع التذاكر.. ويصر على استرداد ما دفع إذا لم تعجبه المسرحية.. لقد خرج الجمهور على النص.. وكتب حواراً مختلفاً.. ورسم مشاهد لم تكن موجودة من قبل.. وقدم أبطالاً لا نعرفهم.. غير معتمدين من نقابة المهن التمثيلية.. أو نقابة المهن السياسية.

لقد تابعت حركة مرشح للرئاسة يدير حزباً معارضاً.. كان مؤتمره الجماهيري الأول فاتراً.. خانقاً.. لم يحتمل فيه الجماهير ولم تحتمله.. لكن.. في المؤتمر الثاني تصالحاً.. وتعانقاً.. وتفاهماً.. وفي المؤتمر الثالث بدا على المنصة نجماً سياسياً موهوباً ولامعاً.. يعرف كيف يرمي بحبات القمح للجماهير.. ويعرف كيف يمسح على شعرها إذا ما التقطت تلك الحبات.. إن الحرية تشكل بأصابع فورية ماهرة ومدربة تماثيلا من كلمات وطموحات وتنفخ فيها الحياة من روحها..

وتدفع بها إلى القمة.. والمنافسة.. ليكون البقاء للأفضل. ولا مانع أن يكون بعض هؤلاء الأبطال مجهولين أو أفاقين أو مدعين.. فالطيور على أشكالها تقع.. والناس تشبه من تحمس لهم.. لكن.. المهم أن مسرح الشخص الواحد لم يعد في عصر السموات المفتوحة مقبولا.. أصبح مسرحاً معزولاً.. ومسرح المئة كرسي التي يجلس عليها مئة شخص في السلطة لم يعد مسرحاً شعبياً.. إبداعها.. أصبح مسرحا فاشيا.

عشنا وشفنا رئيس الجمهورية في مصر لا يقدر على أن يلقي خطاب ترشيحه في تلفزيون دولته.. ويطلب من كاميرات قناة خاصة أن تنقله على الهواء بعد دفع الفاتورة.. ووجدنا كل مرشح للرئاسة يمسك بالاستوب ووتش ليقيس زمن ظهوره في الإذاعة.. ويمسك بمسطرة ليقيس مساحة أخباره في الصحافة.. ويصرخ ويشكو لو وجد مرشح الحزب الحاكم يحصل على ثانية أزيد منه.. أو يحصل على صورة ملونة بينما صورته في الصفحات الأولى.. أبيض وأسود.

. لقد انتهى عصر حبوب النوم ونشرات الأخبار المورفين.. والأفيون.. فهذا لم يعد يطلبه المستمعون. لم يعد الإجماع من نصيب أمير المؤمنين.. لم تعد قصائد المديح والإعجاب حماماً زاجلاً يحط على كتفيه.. تحولت هذه القصائد العمودية.. التقليدية إلى أفواج من الذئاب الجائعة.. ورغم أنه ليس من وظيفة الشعر أو النثر أن يتحول إلى ذئب فإن دخول رمح الفساد المزمن في كبرياء الناس وسفره في أعصابهم وأنسجتهم جعل الكتابة بكل أنواعها نوعاً من الهجمات الانتحارية.. على الطريقة اليابانية..

يدمر فيها الكاتب أحيانا نفسه قبل أن يدمر من حوله. عشنا وشفنا زمناً يحزن فيه المصريون لأنهم لا يحملون بطاقة انتخابية.. لأنهم لم يفكروا في الحصول على دعوة المشاركة في التغييرات والتحولات الديمقراطية.. الشرعية.. ومهما كانت التجاوزات والمؤتمرات فإن الشعوب عندما تعرف طريقها وتمشي إلى الأمام يصعب على أحد أن يعيدها إلى الوراء..

لكن.. لابد من وجود جماعات وتنظيمات من أصحاب المصالح الخفية تقاوم وتحارب وتصر على وضع الحواجز والمتاريس لتمنع وتصد من سيزيحونهم.. ويزيلونهم.. ويحطمون أصنامهم.. ويقضون على تميزهم الذي لم يكتسبوه بالجدارة.. وإنما اكتسبوه بالتقادم ووضع اليد.. وأرباحهم التي جنوها في الحرام.. وهؤلاء لا يمكنهم الاستهانة بهم.. ولا الاطمئنان إليهم.. فأكثر الأفيال شراسة هي الأفيال الجريحة الهائجة التي تشعر أن مساحة الجرح أكبر من مساحة الطعنة... وكمية الدموع أكبر من مساحة العيون.

عشنا وشفنا زمناً تسترد فيه مصر دورها الإقليمي وكيانها الدولي بالموديلات الديمقراطية لا بالهجمات والحملات الصحافية ولا بالأغاني الوطنية الحماسية.. إن الدور مثل الطريق.. يجب أن تستعمله.. وإلا استعمله واحتله غيرك.. ولكن.. ثبات الدور لا ينفي ثبات وسيلة المواصلات التي تسير على الطريق..

ففي عصر الجامبو لا يجوز الإصرار على استخدام الكارو.. وفي عصر الأقمار الصناعية لا يجوز التمسك بمجلات الحائط المدرسية.. وفي عصر الديمقراطية لا يمكن أن تكون نموذجاً لغيرك بأساليب تحتية.. أمنية.. مخابراتية.. لا يمكن أن تكون ديناصورا وتجري وراء الأرانب الصغيرة.

إن قيمة الزمن الذي حرصنا عليه وسعينا إليه ودفعنا ثمناً غالياً كي يصل إلينا قبل فوات الأوان هي قيمة مستمدة من قيمة البشر الذين يصنعونه.. ويعجنونه.. ويخبزونه.. ويوزعونه على بعضهم البعض.. لقمة خبز.. ولقمة حرية.. لقمة تنمية.. ولقمة عدالة اجتماعية.. لقمة ثروة ولقمة مسؤولية اجتماعية..

ودون هذه القسمة العادلة.. المنصفة.. تسقط الحرية تحت حوافر الغوائية.. وتتحول دون أن تدري إلى صورة جديدة.. خادعة.. مضللة.. مزيفة.. للفاشية.لقد انتهى عصر علاج أمراض هذه الأمة بالأدعية والأحجبة والأضرحة.. وحان وقت استعمال الأنتبيوتك المضاد للديكتاتورية.

كاتب مصري