دروس وملاحظات كثيرة برزت من بين هول كارثة جسر الأئمة في بغداد قبل أيام وأودت بحياة حوالي ألف عراقي ومئات الجرحى. أول هذه الملاحظات وأهمها هو هذا التلاحم الرائع بين أبناء سنة العراق وشيعته دونما يكون لهذا التلاحم من موجه حزبي أو سياسي وإنما قياساً إلى انتمائهم الوطني العالي الذي ظهر جلياً عندما قام المئات من أبناء السنة بالقفز الى نهر دجلة لاخراج المئات من الذين رموا بأنفسهم إلى النهر وهم لا يعرفون السباحة .

حتى أن بعض المنقذين قضوا غرقاً نتيجة إصابتهم بالإعياء من كثرة عمليات الإنقاذ وصعوبتها، ورافق ذلك ردود أفعال قيادية سنية مباشرة منددة بأسباب الكارثة ومتضامنة مع المصاب العام لأبناء شيعة العراق الذين كانت حصتهم من حصاد الموت الاكبر وكذا كان موقف بعض القيادات الشيعية التي سارعت لوضع مسببات الحادث في مكانها الصحيح وعدم ترك الأمور من دون سيطرة تمنع كارثة اكبر.

الملاحظة الثانية ان البعض أراد الاستفادة من الحادثة لتوظيفها باتجاه إثارة فتنة طائفية تكون ردة فعلها سريعة وعنيفة وقد لا يمكن ايقافها والسيطرة عليها بسهولة كون جسر الأئمة يفصل بين منطقتين إحداهما ذات غالبية سنية (الأعظمية) والأخرى ذات أغلبية شيعية (الكاظمية)

ولكن ردود الأفعال التي شوهدت عبر القنوات الاعلامية كانت باتجاه توكيد أن هذا الاحتمال لن يكون في عراق امتزجت حضارته بتنوع أعراقه وطوائفه منذ قديم الأمد فعززت الافعال وردود الأفعال تضامن الشعب الواحد في الملمات والساعات العصيبة كما هو ديدنه دائماً.

ولعل الذي ظهر جليا في مأساة جسر الائمة ان اجراءات حماية الناس في العراق لا تتم وفق تطور اعمال العنف والارهاب التي تطال مدن واحياء هذا البلد كل حين، حيث بدا جليا أن إجراءات إغلاق الطرق وإقامة المتاريس الأسمنتية على الجسر ثم إطلاق النار في الهواء من قبل عناصر من الجيش والشرطة أضاف مزيدا من الفوضى والارباك للناس الذين هلعوا وضاقت بهم السبل حتى رموا بأنفسهم من ارتفاع كبير الى نهر دجلة ليفروا من قدر الله الى قدر الله ويقضوا غرقا .

إن حجم الأضرار التي أصابت العراقيين والعراق منذ الاحتلال الاميركي في 2003 وحتى اليوم يفوق اي تصور ولا تبدو في الافق اي ملامح لاستيعاب المرحلة في ظل بقاء قوات الاحتلال وغياب القرار السياسي العراقي النافذ وهو ما يجعل العراقيين على اختلاف ولائاتهم يفقدون ثقتهم باجراءات تنقلهم الى واقع افضل،

لهذا فإن المسؤولية الوطنية والواجب التاريخي يتطلب من الذين يتولون امر هذا الشعب الآن وبعد أن أثبت في حادثة الجسر انه اقوى من مؤامرات الفتنة ان يسعوا الى الشروع بعملية بناء الثقة معه والابتعاد عن كل ما يثير الفرقة ويضع الحدود بين طوائفه من خلال خطاب وطني واحد يراعي هموم العراقيين ومشاكلهم، فليس هناك من معين للعراقيين سوى انفسهم أولاً وأمتهم ثانياً. توحدهم على كلمة واحدة وتصورهم لمستقبل مشترك هو البوابة الرئيسية لاجتياز كل مشاكلهم.