تصريحات رئيس اللجنة الدولية للتحقيق في مقتل رئيس وزراء لبنان الأسبق رفيق الحريري كانت تحمل في طياتها العديد من الرسائل المباشرة وغير المباشرة لأطراف لبنانية وسورية يعتقد الرجل أنها معنية بتطورات التحقيق في هذه القضية. ولعل أهم ما ورد في تصريحات مليس أن "المشتبه بهم الخمسة" لم تثبت إدانتهم بعد, ولو أن القاضي المتمرس لم يغفل ذكر حقيقة أن وضع أي شخص ضمن دائرة الشبهة لا يتم إلا بعد الحصول على قرائن وأدلة هامة قد تؤدي إلى الإدانة في النهاية.
المسألة الأخرى التي تناولها مليس في تصريحاته تتعلق بالدور السوري في سير التحقيقات فقد حرص من جهته على التأكيد على عدم وجود مشتبه بهم بين المسؤولين السوريين "حتى الآن", لكنه كرر مرة أخرى ادعاءه أن سوريا لا تتعاون بالشكل الكافي في سير التحقيقات. ويبدو أن القضية هنا تتعلق بشكل هذا التعاون: فاللجنة الدولية تصر على إجراء مقابلات شخصية مع بعض كبار المسؤولين السوريين, ولا يستبعد أن يكون الرئيس الأسد نفسه أحد من تطلب اللجنة لقاءهم, بحجة أن ذلك يتيح للجنة تطوير الأسئلة بحسب الإجابات التي يحصلون عليها في نفس الوقت.
أما سوريا فإنها ربما ترى أن إبقاء تعاونها ضمن إطار تلقي التساؤلات المكتوبة والإجابة عليها بشكل مكتوب يضمن لها مسألتين هامتين: فمن جهة, تكون الأسئلة والإجابات موثقة كتابيا بحيث لا تستطيع أي جهة توجيه اتهامات أو تلفيق تصريحات على لسان أي مسؤول سوري- خاصة وأن سوريا لديها مخاوف من أن تتحول مهمة اللجنة الدولية من تحقيق قضائي إلى تحقيق سياسي يهدف إلى زيادة الضغوط على سوريا وإجبارها على تقديم تنازلات تسعى إليها إدارة بوش في المسألتين العراقية والفلسطينية. من ناحية ثانية, فإن مجرد لقاء اللجنة مع أي مسؤول سوري سوف يضع ذلك المسؤول ضمن دائرة الشبهة وهذا ما تعتبره سوريا أمرا غير مقبول يمس سيادتها وصورتها على الصعيد الداخلي والإقليمي والدولي.
لكن الموقف الدولي الحالي قد لا يسمح لسوريا بالإصرار على موقفها هذا لأن ذلك قد ينعكس سلباً ويؤدي إلى مضاعفات سوريا في غنى عنها في الوقت الحاضر. لذلك قد يكون من الأفضل أن تتوصل سوريا إلى شكل مقبول وتسوية وسط فيما يخص التعاون مع اللجنة الدولية بما يضمن عدم "تسييس" التحقيق وإبقائه ضمن الإطار القضائي, وإذا كان في سوريا من تلوثت يداه بدم الحريري فلا أعتقد أن من مصلحة أحد حماية ذلك الشخص أو منع يد العدالة من الوصول إليه, فمصلحة سوريا يجب أن تكون فوق مصلحة أي فرد أو أفراد مهما كانت صفتهم الاعتبارية.
لقد أظهرت القيادة السورية دائما حكمة في التعامل مع الملفات الهامة, ولا شك أنها ستتخذ في النهاية القرار الصحيح بما يخدم مصلحة سوريا وأمنها واستقرارها, والذي ينعكس حتماً على مصالح الأمة العربية وأمنها واستقرارها بشكل عام.