تظنه يمشي على البلاط بنعال شبشب بينما هو في الحقيقة يمضغ، أو تتخيل مرور شاحنة مسرعة لكنه يشرب، أو أنه يحوّل إصبعه إلى أداة قياس المسافة بين أنفه ومخه، أو يجبرك على رؤية رئته حين يتثاءب. أو فجأة يمر نسيم رطب لأنه عطس من دون تغطية الفوهة، أو يسعى إلى مصافحتك فتلتصق كفك بكفه من أثر اللزوجة، أو لا تهدأ أعضاء وجهه لحظة واحدة، أو يسعى للتأكد من سلامة قصبته بأن يتجشأ كل حين، أو يقيس مستوى غازات جوفه بأن يفلّت كلما التفت.
يأتي الأطفال بهذه الحركات على مرأى ومسمع والديهم، فيحرّض أحدهم بنيه على الآداب في الصغر كيما تقرّ بهم عيناه في الكبر كما يقول الشاعر، لكن آخرين يهملون، ولأن لكل امرئ من دهره ما تعوّدا، كما يقول آخر، فتنتقل الحركات من الإرادة إلى اللا إرادة مثل النبضات، ولأن الذي شبّ على شيء شابَ عليه، تتحول لعب العيال إلى حرف الرجال، والنتيجة اشمئزاز الآخرين في مقابل غفلتهم هم عما يدور بخلد المشمئزين لأنهم لا يعلمون أن نبضات القلب تنفر أحداً.
المسألة ليست إطعاماً وكسوة يمكن تحقيقهما بكيس أرز وبضعة كيلوات من اللحم وشورت وحذاء، حتى الحفاظة يمكن الاستعاضة عنها بالجرائد الأجنبية، بل المسألة في المقام الأول هو النموذج الحي ثم حاجة الطفل إلى توجيه ونصح وتوبيخ، وهي أمور تدخل في باب التربية والتأديب اللازمتين لتأهيله للانطلاق.
أعتقد أن سبب افتقاد هؤلاء لأسس الآداب العامة يكمن أولاً في افتقاد النموذج، فالشيمة رقص إذا ربُّ البيت بالطبل ضارباً، أما ثانياً، فكثرة الإنجاب، لأنك تجد الأطفال في بعض الأسر كدمى البولينج، دستة تبارك الخالق، لا يفصل بين الواحد منهم والآخر سوى عشرة أشهر وعشرة أيام، فكيف يغرس الوالدان الأدب فيهم بينما الغرس يحتاج إلى وقت ومثابرة ومتابعة؟، ناهيكم عن وجود الانترنت والصحيفة والتلفاز والمقهى والدوام الطويل وعمل المرأة والتي تأكل ما يتبقى لهما من وقت وأعصاب.
أما الاعتماد على المربية والتي تأتي أساساً كخادمة ثم نقوم بترقيتها من أنفسنا في أكثر الأحيان، فهي إن لم تقصّر، فلن تستطيع تدريب فريق كرة قدم، ولعلّها لن تعلّمهم عاداتنا وآدابنا لأنها هي بنفسها لا تعرفها بل قد لا تقتنع بها، فبعض الشعوب التي نستقدم منها، تتجشأ علناً،
وبعضها تخرج الريح بلا هوادة، فهل نعلمها عاداتنا وآدابنا لتقوم هي بذلك مع أبنائنا؟، ولو افترضنا أنه حاول تقويم نفسه بعد دهر من اللا سيطرة وإزعاج وتنفير الآخرين وحرق أعصابهم، فإنه إما ينكسر لأنه صار خشباً بمرور الزمن وإما ينسى متى وأين وكيف يضبط الإيقاع.