استأنست القيادة السياسية في إسرائيل اللجوء إلى الانتخابات المبكرة، سواء على المستوى الوطني أو المستوى الحزبي الضيق، عند كل منعطف سياسي مهم، بشكل يوقن المتابع لتفاصيله أن الأمر لا يعدو إلا أن يكون لعبة ومحاولة للضحك على المجتمع الدولي، ومجرد تبديل بيادق.فالآن ستلتهي إسرائيل، ومعها السياسة الدولية، بالأزمة الانتخابية في حزب الليكود انتظارا للزعيم الجديد: أيستمر آرييل شارون؟ أم يفوز بنيامين نتانياهو؟ وكلاهما أسوأ من الآخر.

المعركة الحالية أكثر من «المسرحيات السياسية» التي سبقتها والتي استهدفت اختيار زعامات جديدة داخل الليكود أو العمل أن الهدف هو إضاعة الوقت والإلهاء. أيا كان الفائز، شارون أو نتانياهو، فإن الفلسطينيين هم الخاسرون. فإذا كان النجاح من نصير «أبو عومري» فإن على القيادة الفلسطينية أن تستعد لضغط دولي دشنه الرئيس الأميركي جورج بوش مساء الاثنين الماضي بدعوتها إلى إبداء الشجاعة والقضاء على الإرهاب، والذي يعني بلغتنا المقاومة الفلسطينية،

لأن ذلك حسب قاموس السياسة الأميركية هو الخطوة الأولى في اتجاه تحقيق الديمقراطية.وهذا طبعاً إلى جانب الاستعداد لانتفاضة جديدة سيكون وقودها هذه المرة الاستيطان المستعر في محيط القدس، فشارون الذي دمر نحو ألف منزل في مستوطنات قطاع غزة وشمال الضفة الغربية سيتخذ من هذا الأمر ذريعة لتوسيع المستوطنات في الضفة وفي محيط القدس وفي الأغوار وهي من مسائل المرحلة النهائية في التسوية التي يريد شارون من الآن وضع خريطة طريقها.

أما إذا فاز «أبو يئير» (نتانياهو) فعلى الفلسطينيين تهيئة أنفسهم لمعركة جديدة عنوانها أيضا الاستيطان مع تشجيع تهويد القدس وحرمها الشريف. وفي سبيل المزايدة على شارون الذي أزهق خلال أعوامه الأربعة التي أمضاها على رأس الحكومة أرواح أربعة آلاف فلسطيني فإن نتانياهو سيشن، كما وعد في خطاب إعلان ترشحه في وجه شارون، حرباً ضد الإرهاب وهو ما يعني عودة إلى سياسة الاغتيال وتدمير بنية فصائل المقاومة.

بالنسبة للفلسطينيين، فالأمر واحد، إنه الاختيار بين شيئين سيئين: الخراب المنظم بفكر خبير عسكري، أو الخراب العشوائي الهستيري بفكر شخص موتر وموتور.. وهم لا يملكون سوى المتابعة بحسرة مجريات الملهاة الإسرائيلية المعتادة، والتي سيتبعها ربما استقالة الحكومة والدعوة إلى انتخابات مبكرة ما يعني إضاعة 3 أشهر مقبلة على الأقل.

أما بالنسبة للإسرائيليين، فما يجري في الليكود بين شارون ونتانياهو قد لا يعنيهم كثيراً إلا في محصلته النهائية.. هل يبقى الليكود أو يرحل ليحل محله حزب العمل (بعد الانتخابات العامة) ما يعني تغييرا في السياسات الاقتصادية، كالضرائب، ومعاشات التقاعد، والضمان الصحي، والعلاقات مع الخارج التي يتقن سياسيو العمل ممارستها.

ولكن ما يجري هذه المرة قد يحمل معه سيناريو ثالثاً بدأت الصحافة الإسرائيلية في التحدث عنه منذ نحو أسبوع، إنه انشقاق آرييل شارون عن الليكود وتأسيسه حزبا جديدا يضمه إلى زعيم حزب العمل شمعون بيريس، وهذا يعني أيضاً خلق أزمة داخلية في اليسار الإسرائيلي، ما يفتح الباب على مصراعيه أمام انتخابات عامة وسط فوضى سياسية غير مسبوقة قد تغير الخريطة السياسية في إسرائيل،

وتاليا تغير خريطة التعامل الدولي مع مسألة الصراع العربي الإسرائيلي، وهو ما يقضي بتغيير، وتجاوز، خطة «خريطة الطريق» التي وضعت لحل القضية والتي استعمل شارون كل ما بيده من أدوات للقفز عليها وتجاوزها ولم يبق أمامه إلا تغيير الخريطة السياسية الداخلية في إسرائيل.