المستقلون في التركيبة السياسية لأي مجتمع من المجتمعات هم عنصر التوازن العام للمجتمع وقوة ضبط إيقاع حركته خصوصاً إذا تجاذبته عوامل الجموح أو الجنوح بعيداً عن أهدافه أو انحرافاً عن قيمه وتقاليده وثوابته. والمستقلون هم القطاع العريض والحجم الأكبر من مكونات الرأي العام لأي مجتمع خصوصاً في المجتمع المصري الذي لا ينخرط في تنظيماته السياسية سوى النسبة القليلة من سكانه.

وتغييب دور المستقلين في أي نظام سياسي يفتح الباب واسعاً إلى حدة الاستقطاب في الشارع السياسي بين رؤى وتيارات حادة ومتضادة، يغيب فيه ذلك التيار العريض من الجماهير خارج الأحزاب إما إغراقاً في السلبية أو إسرافاً في الغضب. ولأن دور الرأي العام أساسي في العملية الديمقراطية إذ إنه التعبير عن القاعدة العريضة من الجماهير المعنية بقضايا الوطن المختلفة والذي هو في الواقع من يحدد شرعية الخيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية

بإعتبار أن الديمقراطية في تصورها البسيط هي مشاركة غالبية الشعب في صنع القرار.ولأن الانتخابات في النهاية ما هي إلا عملية استطلاع واسعة للرأي العام بشأن حكامه أو نوابه عبر صناديق الاقتراع فمن الضروري لكي يكون الاستطلاع «الانتخاب» صحيحاً أن يكون الجمهور عريضاً بحيث يمثل كماً غلاباً وكيفاً متنوعاً من تياراته السياسية المختلفة.

ولكي يكون الجمهور عريضاً فلا بد أن تسمح الممارسة لأوسع قطاعاته بالمشاركة الفعالة، ولن يتأتى ذلك إلا بتوفر عنصرين لدى هذا الجمهور هما الاهتمام والثقة.ولكي يكون اختيار الرأي العام سليماً فلا بد أن يتوافر لهذا الجمهور بجميع قطاعاته من المعرفة والمعلومات الكافية القدر الذي يمكنه من إتخاذ قراره في الاتجاه المرغوب فيه بغير تضليل أو تشويش.

من هنا جاء غضب المستقلين من تقييد مشاركتهم في انتخابات الرئاسة المصرية وفقاً لصياغة التعديل الدستوري للمادة 76. ومن هنا جاء عتب المصريين في الخارج من تغييب أصواتهم وعدم إشراكهم في التصويت لاختيار الرئيس القادم لبلادهم. ومن هنا جاءت الانتقادات من الحركات السياسية المستقلة، أو من وسائل الإعلام المستقلة في مصر للمارسة الانتخابية، سواء من حيث توقيت التعديل، أو المدة اللازمة لتعريف الناخبين ببرامج المرشحين، أو شروط الترشيح حسب صياغة التعديل،

أو عدم العدالة الإعلامية في وسائل الإعلام القومية عن المرشحين وعدم التكافؤ في الإنفاق على الدعاية الانتخابية وغيرها ..وهذه من العوامل التي تؤثر سلباً على توفير الاهتمام والتفاعل الجماهيري بمسألة الانتخابات.ولكن يبقى الأهم بين كل هذه العناصر لسلامة التعبير عن اختيار الرأي العام هو العمل على توفير عنصر الثقة لدى الجمهور في نزاهة عملية الاقتراع، وضمان الرقابة الشعبية والإعلامية على إجراءاتها.

وسواء كان التصويت تحت لافتة الاستفتاء أو تحت لافتة الانتخاب فإن العبرة في النهاية بتوفير الثقة هو نزاهة عملية الاقتراع ذاتها، ونظافة الصندوق الشفاف من أية محاولة للتعبير الزائف عن إرادة الناخبين.وهذا لن يتأتى إلا بتحقيق الرقابة القضائية الكاملة على عملية الانتخاب بضمانات جدية وشفافة لا تقبل التشكيك تحقيقاً للشرعية بمعناها الصحيح وتوفيراً للثقة بين الشعب والرئيس.