بعد أيام من مرور عيد ميلاده الثمانين، كتب المفكر والمحلل السياسي المصري الشهير «محمد حسنين هيكل» مقالاً في جريدة الأهرام المصرية يوم الثلاثاء الموافق 30-9-2003 يستأذن فيه قراءه في الانصراف والابتعاد عن الكتابة. ويمكن القول أن هذا المقال قد بدا في ذلك الوقت قرار اعتزال للكتابة بعد مشوار طويل من العمل الصحافي الدؤوب بلغ الستين عاماً، رغم أن هيكل ذاته قد ذكر بالنص أن هذا «الانصراف ليس غيابا وأن الاستئذان ليس اعتزالا وإنما هو إيثار للبعد عن الشأن الجاري بقدر ما هو ممكن».
اللافت للنظر هنا، أنه وبعد مرور ما يقرب من العام على ظهور هذا المقال، أصبح هيكل ضيفا أسبوعيا على شاشة أبرز، وربما أهم، القنوات الإخبارية العربية وأعني بها «قناة الجزيرة»، حيث يقدم برنامجه المهم «مع هيكل» متناولا فيه أهم القضايا العربية والعالمية من وجهة نظره السياسية. ومنذ ذلك الحين مر أكثر من عام تقريبا على ظهور هيكل على قناة الجزيرة لأول مرة، الأمر الذي يجعلنا نستطيع أن نقف عند هذه المرحلة الإعلامية من توجهات الكاتب الكبير بالنقد والتحليل.
مع مقال الاستئذان الشهير ترك هيكل الباب مفتوحا ليس للاختفاء ولكن للابتعاد، أراد أن يبتعد، لكن جدول أعماله مازال ممتلئا بالعديد من المشروعات والحكايات والمعلومات التي أراد أن يوصلها للقراء أو للمشاهدين. ومع ضيق الوقت كان الهدف أن يوصل ما يريد بسرعة وبمساحة بشرية أوسع، وأن يستغل ثورة المعلومات، وأن يحكي أحداث ودلالات النصف قرن المنصرم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى الآن.
ورغم أن هيكل عبر برنامجه يكشف صراحة أو خفية بأنه لا يمتلك شيئا واضحا ومحددا، أو عمليا إذا ما استخدمنا لغة هيكل نفسه، للحاضر المعيش، فإن المرء لا يمكنه أن ينكر أهمية البرنامج بأي حال من الأحوال سواء قبلنا مادته، أو رفضناها، أو اختلفنا حولها. فهيكل يمتلك مسافة زمنية كبيرة تبتعد به عن هذا الحاضر، في الوقت الذي يمتلك فيه حكايات أكثر من نصف قرن من الزمان يمكن أن تقدم تفسيرا ما لهذا الواقع المعيش المترهل والمتدهور، وكأن لسان حاله هنا يقول أنا سوف أبتعد عن هذا الحاضر،
لكن علاقاتي المتميزة بالماضي سوف تتيح لكم أنتم أبناء هذا الحاضر أن تعوا وتفهموا ما أنتم عليه الآن. يقول هيكل «وأملي أن بعض ما عندي إذا استطعت قد يضيف ويغطي ثغرات مازالت مثل ثقوب الفضاء مجهولة في حياة الوطن والأمة ومعظمها متصل بمرحلة كان للعرب خلالها دور فاعل في العالم والتاريخ وظني أنه ربما يكون من شيء أقدمه فائدة لزمن قادم ولجيل لم يولد بعد».
إن الهدف الأساسي الذي يسعي إليه هيكل هنا هو معرفة الكيفية التي وصلنا من خلالها إلى الحالة التي نحن عليها الآن. ماذا قدم لنا هيكل في مرحلته العمرية الإعلامية؟ وكيف قدم لنا مادته الإعلامية؟ وما هي ملامح هذه المادة؟ والأهم ماذا استفدنا نحن المنتمين لأجيال مغايرة مما قدمه هيكل الإعلامي؟
جاءت معظم، إن لم تكن كل الحلقات التلفزيونية التي قدمها هيكل تحت عناوين كبرى وقضايا شائكة إلى حد بعيد، بحيث يمكن القول بأن حلقات هيكل لم تقترب من أية قضية صغرى. ومع التسليم بداية بصعوبة وضع حدود فارقة بين ما نعنيه بالقضايا الكبرى والقضايا الصغرى، فإنه يمكن القول بأن معظم القضايا التي تناولها هيكل جاءت كبيرة على الأقل في مداها الجغرافي، وبعدها الزمني،
وتأثيراتها المتواصلة. فمن الموضوعات التي تناولها هيكل علي سبيل المثال لا الحصر: الحرب الباردة وأثرها على العرب، الإمبراطورية الأميركية و سياسة عيشها، أميركا والحرب على العراق، القضية الفلسطينية والأمن القومي العربي، دور القاهرة في المنطقة العربية، ما بعد الحرب العالمية الثانية،
تداعيات الرابع من فبراير على مصر، العمل السياسي والصحافي... الخ من الموضوعات الكبرى المختلفة التي تناولها هيكل، وارتبطت في الوقت نفسه بمسيرة الستين عاما التي خبرها وعايشها.وفي هذا السياق يمكن القول بأن التحليلات التي قدمها هيكل جاءت في أحيان كثيرة مقموعة ومقيدة بإملاءات تاريخية مسبقة.
فالولع بالتاريخ، في مظهره وتجلياته الكرونولوجية قد أدت بهيكل إلى العودة بكل ما يحدث في التاريخ العربي المعاصر على سبيل المثال إلى نهايات الحرب العالمية الثانية والحرب الباردة وتبعاتها؛ بحيث بدا أن هيكل وبإصرار قد أمسك ببداية الخيط لأية تفسيرات لما آل إليه العالم العربي المعاصر الآن. ورغم أهمية الحرب الباردة، وأهمية الحرب العالمية الثانية، والتداعيات المرتبطة بهما، فإنه من الصعوبة بمكان أن يتم تفسير العالم العربي بهما مثلما فعل هيكل!!
اللافت للنظر أنه في معظم حلقات هيكل، وبشكل أساسي الأولي منها، أنه رغم وقوفه على مفاصل أساسية في التاريخ العالمي المعاصر، إلا أنه مولع بالمحطات الجانبية، مولع بالتفاصيل، مولع بالإشارات. ويمكن القول هنا، أنه إضافة لسمة الحديث بالعامية المصرية التي أفقدت حديث هيكل بعض قيمته، فإن سمة التكسير أو التشظي قد غلبت بشكلٍ كبير على معظم حلقات هيكل،
لدرجة أننا نجد الكثير من الاعتذارات من قبل هيكل نفسه للمشاهد العربي عن الانتقالات المستمرة لموضوعات جانبية أخرى بعيدة بدرجات متفاوتة عن موضوعات حلقاته. وفي الحقيقة فقد كانت إحدى أصعب وأشق الأشياء في برنامج هيكل هى متابعته، ومحاولة التقاط الخيط الرئيسي للحلقة؛
حيث كان يمطرنا بالعديد من الأحداث والحكايات الجانبية، وسرد العديد من الأسماء والشخصيات الذين قابلهم والذين قالوا كذا وكذا في مناسبات ولقاءات متعددة عبر مسيرة حياته الطويلة والثرية في الوقت نفسه. والمفارقة هنا تكمن بين ولع هيكل بالتاريخ والأحداث الكبرى التي يفرضها على تفسيره للتطورات العربية منها والعالمية، وبين انغماسه في المحطات الجانبية والتفاصيل الصغيرة التي ربما تحتاج إلى جهد جهيد من المشاهد ليربط فيما بينها.
ورغم أن هيكل ذاته أشار، في معرض تناوله لقصة ظهوره على شاشة الجزيرة، إلى أننا لكي نفهم الشأن الجاري لا بد من وجود خبر دقيق وصحيح ضمن سياق عام يشمله بما يؤدي في النهاية لمعني يمكن فهمه وتحليله وإجراء نقاش حوله، فإنه في الكثير من حلقاته لم يمنح مشاهده هذا السياق الذي يمكنه من ربط كل هذه التفاصيل التي تاه هذا المشاهد في خضمها.
وما بين الأحداث الكبرى والتفاصيل الصغرى الكثيرة، ظهر هيكل المقدم والمتحدث أقرب ما يكون، رغم تحليلاته الشيقة وأطروحاته العميقة، إلى الحكماء الذين يمتلكون ذلك القدر الكبير من المصالحة مع الواقع، وتلمس الأعذار، وربما خلق التبريرات للآخرين. ففي معظم حلقاته يؤكد باستمرار أنه يلتمس العذر لفلان، ويقدر ويحترم علان، وأنه ليس لديه أية مشكلة مع الزعيم كذا، وأن هذا المسؤول رقيق ومهذب.. الخ.
ويمكن القول هنا بأن هيكل عبر معظم حلقاته لم يوجه نقداً لشخص ما أو لمسؤول بعينه، بما يثير مسألة على قدر كبير من الأهمية ألا وهي من المسؤول عما حدث ويحدث في عالمنا العربي بعد كل هذه التحولات والتقلبات؟ ولعل ذلك هو ما يقودنا إلى أننا نحن العرب وفقاً لحلقات هيكل محكومون بإطار التاريخ وأحداثه الذي يصنعه لنا الآخرون، وتصنعه لنا البنيات خارج أطر ذواتنا وشخوصنا، وهو الأمر الذي ربما نتمنى من الأجيال الجديدة الطالعة من رحم التدهور والترهل تجاوزه.
كاتب مصري ـ جامعة الإمارات