أصبحنا نسمع بشكل يومي كلمة إرهاب وفي كل الوسائل الإعلامية دون استثناء. فقد أصبحت هذه الكلمة وما تعنيه بمثابة الخطر الأكبر الذي يواجه البشرية في القرن الواحد والعشرين (كما يقول جورج دبليو بوش). وانساق كثير من الكتاب في عالمنا أو في العوالم الأخرى للكتابة حول ظاهرة الإرهاب، منهم من اجتهد في تحليل أسبابها ومعطياتها، ومنهم من انشغل بالتحذير من نتائجها ووضع أحياناً الحلول لمواجهتها والقضاء عليها.
وبالرغم من أن هناك أسئلة كثيرة تدور في ذهن المهتم بهذه القضية... أسئلة تحتاج لإجابات صريحة وواضحة، إلا أن معظم هذه الكتابات لم تتناولها ولم تكن واعية بها. فمعظم هذه الكتابات تناولت ظاهرة الإرهاب وكأنها حقيقة ثابتة وسلمت بها بشكل مطلق. أحد هذه الأسئلة التي لم يتم تداولها فكرياً وإعلامياً هو هل هناك من مستفيد من الترويج بأن الإرهاب هو الخطر الأكبر الذي يهددنا في هذا القرن؟
وإذا كان هناك مستفيدون فما هو شكل هذه الاستفادة؟ المتحري بدقة في هذه القضية قد يصل لإجابة تتلخص في أن الولايات المتحدة الأميركية والمملكة المتحدة ودولة إسرائيل هم المستفيدون الأوائل من الترويج لهذه الظاهرة. أول أشكال الاستفادة هو تحويل نظر العالم عن الإرهاب والإرهابيين الحقيقيين.
فاليوم يتكلم العالم عن الإرهاب الإسلامي والإرهابيين من المسلمين الأصوليين وينسى الإرهاب الصهيوني الشاروني والإرهابيين من المتطرفين اليهود والمسيحيين. استخدمت كل هذه الدول ذريعة القضاء على الإرهاب لغزو واحتلال دول أخرى وفرض أنظمة موالية لها في هذه الدول، استخدمت كل هذه الدول ذريعة الإرهاب لتغيير كثير من القوانين، وذلك بإعطاء مزيد من القوة والحريه للسلطات وتقليص حريات البشر في كثير من الممارسات.
فعلى سبيل المثال سعى وزير الداخلية البريطاني مؤخرا إلى تغيير بنود في قانون مكافحة الإرهاب في بلده، وتبنى بنودا منافية لحقوق الإنسان، خاصة بما يتعلق بكفاية ونوعية الأدلة المطلوب توافرها في حال الاشتباه بارتباط شخص ما بأي من النشاطات التي ترى الحكومة البريطانية أنها ذات صلة بما يسمى بالإرهاب.
من بين الأشياء التي اقترحها وزير الداخلية البريطاني حق الأجهزة الأمنية في إجراء محاكمات سرية والاحتفاظ بالمعلومات الحساسة وحجبها عن محامي المتهم، مما اعتبره المدافعون عن الحقوق المدنية في ذلك البلد إهانة لحكم القانون. أسئلة عديدة تدور في الذهن حول التطرف، وحول ما إذا كان التطرف محصوراً على بعض الجماعات الإسلامية، أم هو نزعة موجودة بين أفراد الطوائف والملل كافة؟
إذ ماذا نسمي جماعة الكوكولس كلان الأميركية أو الجماعات اليهودية المتطرفة التي تنظر لسفك دم الفلسطينيين كواجب ديني مقدس؟ ولماذا يسمى كل اعتداء أو تعرض لمصالح إسرائيل أو أميركا بالإرهاب، وفي المقابل تصنف اعتداءات إسرائيل وأميركا وبريطانيا وقتلهم الأبرياء بأنها دفاع عن النفس وإقرار للسلام والعدل، أو من أجل نشر الديمقراطية والحرية؟
منذ سبتمبر من سنة 2000 قتل ما يقارب 2500 مدني فلسطيني بالخطأ ـ كما يقال ـ بيد الجيش الإسرائيلي؛ ودمر حوالي 000,14 منزل فلسطيني بواسطة بلدوزرات الجيش الإسرائيلي منذ شهر أكتوبر من السنة نفسها. ونظراً لأن عمليات التدمير تتم ليلاً تدهس حتى الموت كثير من الأسر الفلسطينية التي تكون غارقة في نومها ولا تتمكن من الهرب.
كل هذا لايسمى إرهاباً، ولكن يعطى مسميات حضارية أخرى لأن المقتول والممارس ضده الإرهاب هنا دمه رخيص. وفي العراق وباسم الديمقراطية والحرية والتخلص من أسلحة الدمار الشامل قتل ما يقارب 437,8 من المدنيين بسبب الهجوم العسكري الأميركي والبريطاني في سنة 2003.
وبسبب الهجوم الأميركي البريطاني على أفغانستان في سنة 2002 قتل حوالي ثلاثة آلاف مدني أفغاني. وهاهو يتبدى لنا كل يوم بأن ضرب أفغانستان واحتلال العراق لم يكن هدفهما قمع الإرهابيين أو التخلص من أسلحة الدمار الشامل، تلك الكذبة التي احتلت من أجلها العراق، ولم يكن هدفه الانتقام لأرواح القتلى الأميركيين في الحادي عشر من سبتمبر، ولكن هناك أهداف أخرى اقتصادية «نفطية» غير معلن عنها يسعى إليها حفنة من تجار النفط ويقتل من أجلها آلاف الأبرياء من العراقيين والأميركيين وغيرهم.
حسب تقارير منظمة الصحة العالمية يموت ما يقارب 430 ألف أميركي سنوياً من تدخين السجائر، وهذا أضعاف من مات من الأميركيين في الحادي عشر من سبتمبر، وردة فعل الرئيس الأميركي بوش على هذا هو وشركات سجائر عدة، أثناء حملته الانتخابية، بوقف وزارة العدل عن مقاضاتهم.
أيضاً، وحسب الدراسة التي قام بها المركز الأميركي لضبط والوقاية من الأمراض (2004)، هناك 000,400 أميركي يموتون من السمنة المفرطة سنوياً (بينما الآلاف في باقي العالم يموتون من الجوع)، وعندما حاول بعض الشباب مقاضاة سلسلة شركات ماكدونالد بتهمة أن نوعية الطعام الذي تقدمه يسبب السمنة المفرطة، عمل مجلس النواب على الضغط لتمرير تشريع يقوض مثل هذه الدعاوى «التافهة»،
كما سميت من قبلهم. ويرجع اتخاذ مثل هذا الموقف من مجلس النواب إلى خوفه الشديد من معاداة صناعة الغذاء السريع فاحشة الثراء (كما تقول الدراسة). وبناء عليه تم تهميش الدعوة القضائية ضد شركات الغذاء السريع، وحسب ما قال أحد النواب: مقاضاة تافهة مثل هذه لن تجعل الشباب أكثر نحافة.
جامعة الإمارات