منذ أشهر وثمة قضية مطروحة على موظفي الأمم المتحدة ومندوبي الدول إليها، كذلك على وزارات الخارجية في العالم أجمع: ما هو المطلوب لتطوير عمل المؤسسة الدولية من أجل أن تلائم القرن الحادي والعشرين، وما الذي تحقق بعد خمس سنوات من «الأهداف الإنمائية للألفية».
أمضت الولايات المتحدة معظم هذه الفترة في سجال حاد سياسي وإعلامي طال الدوائر التشريعية والتنفيذية حول صوابية اختيار جورج بوش لجون بولتون ممثلا للإدارة في الأمم المتحدة. قيل الكثير في حق الرجل سلبا وإيجابا ولكن ثبت بما يقطع الشك انه زور معلومات حول أسلحة العراق وسوريا وإيران، وانه يسيئ معاملة موظفيه، وانه يكن احتقارا للعمل الدبلوماسي التشاوري التعددي الذي يمثله مجلس الأمن.
لم ينجح الرئيس في انتزاع الموافقة على تعيينه لذا انتظر إجازة الكونغرس ليستخدم حيلة قانونية تسمح له بتسمية الموظفين. وهكذا كان، لا بل تعمد بوش (وكوندوليسا رايس أيضا) الإشادة بمزايا بولتون والتأكيد انه متوجه من واشنطن إلى نيويورك متمتعا «بالثقة الرئاسية الكاملة». أكثر من ذلك لام البيت الأبيض كل من عرقل وجود المندوب الأميركي في وقت يمر العالم في حرب والمؤسسة الدولية في رحلة إصلاح.
وصل بولتون إلى المبنى الزجاجي، اكتشف أين أصبح الإعداد للقمة الاستثنائية. اعتكف. درس المقترحات التي بُذل جهد هائل في صياغتها. وضع ملاحظاته عليها واقترح تعديلات على النص يصل تعدادها إلى حوالي750 تعديلا! ثم وجه رسالة إلى المندوبين قائلا لهم ان أمام الجميع فترة ثلاثة أسابيع فقط من أجل التوصل إلى... إجماع!
وقعت الرسالة وقع الصاعقة على الجميع. فالتعديلات المقترحة جذرية جدا، والمهلة قصيرة، ثم أن 175 رئيس دولة أو حكومة شرعوا في تحضير مداخلاتهم في ضوء المسودة التي كانت وصلتهم. لقد بات على العالم كله أن يعيد النظر في حساباته وإلا فان القمة مهددة بالفشل.
هذه نماذج عما اقترحه بولتون:
1- إلغاء اللجنة الحالية لحقوق الإنسان من اجل استبدالها بهيئة جديدة تتشكل من ناد شبه مغلق لا يجوز الانضمام إليه آليا بمجرد اكتساب العضوية في الأمم المتحدة.
2- تقديم تعريف للإرهاب يقطع الطريق على أي احتمال لتبريره بصفته مقاومة مشروعة لاحتلال أجنبي بما يقتضي إدخال تغييرات جذرية على كثير من المعاهدات والمواثيق الدولية.
3- إعطاء الأمم المتحدة أي، عمليا، الدول النافذة فيها حق التدخل العسكري في أي دولة تعتدي على مواطنيها. ويعني ذلك لا اقل من إزالة المبدأ الذي تنهض الأمم المتحدة عليه بصفتها هيئة تضم دولا ذات سيادة.
4- الاعتراض على محكمة الجزاء الدولية التي تم جمع التواقيع اللازمة لبدء عملها. وفي حال سقط الاعتراض استثناء المواطنين الأميركيين حصرا من صلاحياتها.
5- تعطيل العمل ببروتوكول كيوتد الذي دخل حيز التنفيذ والداعي إلى حماية البيئة عبر ضبط الانبعاث الحراري.
6- وقف العمل بمعاهدة حظر التجارب النووية واستبدال ذلك بالتشديد أكثر على مكافحة انتشار الأسلحة لدى الدول غير النووية.
7- إلغاء التوافق السابق الداعي الدول الغنية إلى تخصيص 7,0% من ناتجها المحلي لمساعدة الدول النامية. والمعروف أن الولايات المتحدة لم يسبق لها الالتزام بهذه النسبة وأنها، في هذا المجال، الأكثر بخلا بين الدول المتقدمة.
8- إدخال تعديل جذري على أهداف الألفية بحيث يخف التركيز على محاربة الفقر والأوبئة ويزداد التشديد على الإصلاحات الهيكلية لدعم اقتصاد السوق وممارسة «الحكم الصالح».
هذه عينة من اقتراحات تشمل، في ما تشمل، إعادة النظر بعمل قوات الأمم المتحدة لحفظ السلام والميزانية والفساد والبيروقراطية وليس سرا أن هذه الأطروحات هي الأساس الذي ستعتمده واشنطن عند البحث في هيكلة الأمم المتحدة وبصورة خاصة توسيع مجلس الأمن وضم دول إليه لتصبح دائمة العضوية واختراع مرتبة جديدة تفصل بين العضوية الكاملة وحق النقض.
لا يمكن قياس التغيير الذي يريده بولتون إلا عند استعادة «الأهداف الإنمائية للألفية» التي كان مقررا للقمة مناقشتها. فهذه الأهداف تتضمن، وعلى مدى 15 عاما تنتهي في 2015، «خفض نسبة السكان الذين يعانون الجوع إلى النصف»، «كفالة التعليم الابتدائي لجميع أطفال العالم»،
«تخفيض وفيات الأطفال دون سن الخامسة بمقدار الثلثين»، «وقف انتشار الأوبئة»، «معالجة الاحتياجات الخاصة لأهل البلدان غدا»، «المعالجة الشاملة لمشاكل ديون الدول النامية»، «التعاون مع شركات الأدوية لإتاحة العقاقير الأساسية بأسعار ميسورة في البلدان النامية»، «التعاون مع القطاع الخاص لإتاحة فوائد التكنولوجيات الجديدة»....
ان التناقض صارخ بين مزاج دولي يعرف المشاكل على طريقته ويقترح حلولا لها وبين تعريف بولتون، والولايات المتحدة استطرادا، لمشاكل العالم والحلول المطلوبة لها... ولا يملك احد فترة تزيد على ثلاثة أسابيع من اجل ردم الهوة بين التصورين! عندما قرر بوش إرسال بولتون إلى الأمم المتحدة اعتبر بعض السذج انه يريد الخلاص منه وإراحة رايس في الخارجية.
لو كان ذلك صحيحا لوجد بوش في الاعتراضات الأميركية حجة. إن الحقيقة هي أن بوش قرر إرسال احد الصقور في مهمة كوماندوس «خلف خطوط العدو». والهدف توجيه رسالة واضحة إلى المجتمع الدولي تقول ان الطاعة واجبة لسياسة خارجية أميركية مصابة بلوثة إيديولوجية.
أما البديل عن الطاعة فهو تخريب جهود دامت شهورا وفرض تسويات لا تأخذ بالاعتبار رغبات الأكثرية. يتصرف بوش، هذه الأيام، متحررا من رغبة الأكثرية الشعبية الأميركية فكيف له أن يهتم بمشروع للأمم المتحدة وضعه رجل من... الغابون؟!
كاتب لبناني