هدأت الحرب في لبنان، وانفجرت في العراق، اختلف العراقيون حول الدستور برفض من السنة بأن الفدرالية مقدمة للتقسيم، فاستعار اللبنانيون المصطلح ليكون لكل طائفة نظامها واستقلالها عن الأخرى، وإذا علمنا أن كل لبناني يحتاج إلى دستور خاص، فالانقسامات ستغرق الطائفة والحزب، وتقود إلى تفتيت هذه القوى لفئات صغيرة، تتحارب، أو تتحالف ضد بعضها، لأن من كانوا يعادون الحريري، ويصفونه ب «مسعود» لبنان، وجعل السنة أداة الهيمنة على بقية الطوائف وإعلان الرجل طارئاً على السياسة، وفهم العلاقات الدولية، هم الذين رفعوا شعار الشهيد والضحية، والمواطن الأول، والأخير، ومع ذلك لا يوجد استغراب أن ينقلب المعادي لأي نظام عربي، وعالمي، إلى نصير، وحليف له، لأسباب شخصية وليست وطنية كصيغة لبنانية فريدة في سلوكها..
بعد اتفاق الطائف، احترم الناس، والرأي العام العربي، التوافق بين اللبنانيين، وعدم فتح ملف الحرب باعتبار الجميع شركاء بكل التبعات، وحتى سجناء القتل، والتدمير، والتحالف مع إسرائيل أطلق سراحهم، بمبدأ «عفا الله عما سلف» لكن الحريري عاد ليكون رقم الأزمة وحلها، وهنا جاء تقرير المحقق الدولي ليصل إلى بعض الرؤوس، والأخرى التي لا ندري إذا كانت بريئة، أو متهمة ممن غادروا لبنان إلى باريس عندما وجدوا الانفجار قد يصل إلى الكل ويفتح الملفات المغلقة منذ بدايات الحرب الأهلية، وحتى التفجيرات الراهنة، وإذا كان لعقلاء لبنان أن يتفقوا على أن لا يجعلوا من قتل الحريري أزمة لكل اللبنانيين، يزايد عليها البعض مع منظمات ودول أجنبية، أو يعتمدها كتصفية حسابات بين خصوم محتملين،أو تاريخيين، فإن المنطق يفرض مراجعة الأزمة، والاتفاق حولها لبنانياً، لأنها قد تجر النار إلى ثياب المنادين بكشف الحقائق لتضعهم في دائرة الاتهام، ثم تتسع، ولا تنتهي عند شخص، أو طرف أو حزب..
اللبنانيون مغامرون بالتجارة، ناجحون، ومهندسو الجذب السياحي والمالي للبنان لكن مغامراتهم السياسية كارثية مدمرة، ولعل محاولة الاتفاق على الأدنى في قضية قتل الحريري وتفكيك مقابس تفجير القنبلة المؤقتة، القابلة للتفجير والسعير العام، أن يلتقي الخصوم والادعياء بالبراءة من أجل إنقاذ كل لبنان، لأن بلداً ظل محفلاً عاماً لدول المنطقة والعالم في عقد الصفقات السياسية، وإثارة الحروب، والانقلابات، لم يعد يتسع لتلك اللعبة لأن الميدان صار مفتوحاً على مراكز متعددة ليضيق على لبنان، إلا إذا كان يريد استقطاب الأزمة وتحويلها إلى حرب أخرى بأدوات قميص الحريري، فإن كل شيء قابل للتنفيذ..