النقاش الدائر بين أعضاء لجنة صياغة الدستور العراقي والذي يثور فيه الخلاف بين الأحزاب السياسية حول 18 نقطة جوهرية أبرزها الاسم والدين والقومية في العراق الشقيق، يطرح على الجميع ضرورة البحث عن الإجابة الملائمة لسؤال الهوية الذي يطرح نفسه على منطقتنا الممتدة من المحيط إلى الخليج.
وإذا كان حسم هذه الخلافات التي تتعدد فيها الرؤى بين أبناء الديانات والقوميات والأيديولوجيات حول الصيغة الجامعة لكل هذه التيارات، يتطلب المزيد من الاجتهادات. فقد يبدو الأمر موضوعاً ملائماً لمنتدى فكري لا مؤتمر سياسي، ينظمه أحد مراكز الأبحاث العربية، يدعو إليه العلماء والمفكرين الباحثين لتقديم آرائهم واجتهاداتهم واسهاماتهم للوصول إلى الصيغة الجامعة لكل هذه المجتمعات،
بحيث يكون للجميع فيها ما للجميع من حقوق، وعلى الجميع فيها ما على الجميع من واجبات، كمواطنين متساوين أحرار، في وطن حر واحد. إنه لا تناقض ولا ينبغي أن يكون هناك أي تناقض في دوائر الانتماء بين الفرد والقبيلة، أو بين القبيلة والوطن، أو بين الوطنية والقومية، أو بين القومية والدين.. يحكم كل ذلك علاقة الجزء بالكل.
فالأفراد الذين تربطهم علاقة الدم تجمعهم القبيلة الواحدة عربية كانت أو أعجمية، والقبائل الذين تربطهم علاقة الأرض يجمعهم الوطن الواحد. والأوطان التي تربطها علاقة النسب الواحد تجمعهم القومية الواحدة، والقوميات التي تربط بينهم علاقة العقيدة الواحدة يجمعها الدين الواحد في أمة واحدة. وجميع هذه العلاقات قد استقرت كثوابت في جميع المراحل التاريخية السابقة وفي مختلف الحضارات.
ولكن التناقضات تنشأ في العادة حينما يختل توازن هذه الأطر في الحريات، أو هيكل العلاقات، أو بين الحقوق والواجبات، أو في العدالة بين الجماعات، فتضطرب حركة السير وقد تتحول التناقضات إلى مصادمات. وبالديمقراطية التي تتيح للجميع مشاركة الجميع في صنع القرار للجميع وبالحرية.. التي تمتد حدودها للأفراد كما للجماعات إلى أن تبدأ حدود حرية الآخرين.
وبالعدالة التي تمنع سطوة فرد على جماعة أو حزب على وطن ولا تسمح بطغيان جماعة على فرد أو وطن على حزب .. وبالمساواة.. التي تجعل المواطنة أساس الحقوق والواجبات بغير إعلاء لجماعة أو إقصاء لطائفة على أساس الدين أو العرق أو اللون أو الرأي، تحاول المجتمعات صياغة دساتيرها وقوانينها، لكن الممارسة دائماً يمكن ان تخطيء أو تميز أو تتعصب حين تباشر تطبيق النص على الناس في الواقع بغير عدالة كافية أو بغير وضوح كاف.
وإذا كان الخلاف الثائر في العراق هو الدافع لمناقشة هذا الموضوع، وإذا كان ما نهم به يمكن ان يوجه للأمة كلها وليس للعراق فقط فإنني في إطار ما سبق من إشارات الى أهمية البحث عن الصيغة الجامعة لكل الديانات والقوميات والأيديولوجيات أرى أن «الإسلام والعروبة» هما الإطار الجامع لكل هذه التباينات والحل الأكثر ملاءمة لمشكلات الأعراق والأديان والألوان،
ذلك أن «الإسلام» حل لمشكلات الأقليات القومية.. والعروبة.. حل لمشكلات الأقليات الدينية، ثم ان الإسلام والعروبة معاً يمثلان الحل الديمقراطي لهذه المشكلات السياسية، وقد يتهمني أحدهم بأنني أقدم المشكلة ولا أقدم الحل، ذلك بأن هناك من لا يريد الإسلام ولا العروبة معا، أو أنني بهذا الرأي أنحاز إلي انتماءات على حساب الانتماءات الأخرى.
فلماذا فقط الإسلام والعروبة معا؟!
وهنا نحتكم إلى مقاييس العصر السائد وهي «الديمقراطية»®. أليس الحكم في النهاية في عملية التداول السلمي للسلطة عن طريق الانتخابات يؤول للأغلبية..؟
وإذا كان ذلك صحيحاً فهل غالبية السكان في هذه المنطقة من العالم غير مسلمين؟ وهل غالبية السكان في هذه المنطقة هم من غير العرب؟
مجرد سؤال.. لكن الإجابة إذ تشير إلى أن غالبية السكان يديونون بالإسلام وينتمون للعروبة، فمعنى ذلك ان الحكم للغالبية، ولا يعني ذلك بأي حال أن الحكم يعني التحكم أو أن السلطة تعني التسلط من الأغلبية على الأقلية. ولكن كيف..؟
دعونا نطبق ما هو نظري على الوضع في العراق مثلاً.. فعندما نقول مثلاً أن الإسلام دين الدولة.. في الدستور فإنما يعني ذلك إقرار بحقيقة واقعية تقول ان الإسلام يجمع العربي المسلم مع الكردي المسلم مع التركماني المسلم مع الفارسي المسلم مع غيره من المسلمين.
وإذا كانت حقيقة أن المسلمين من كل الأعراق هم الغالبية الكبرى في العراق فإن الإسلام يصبح هو الصيغة الجامعة لهذه الغالبية المتعددة الأعراق وهو يحل بهذا مشكلة الأقليات القومية ويتيح التعددية القومية في إطار الدين الواحد الجامع لها جميعاً مصداقاً لقول الله تعالى «وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن اكرمكم عند الله أتقاكم».
وإذا كان الإسلام يعترف بالتمايز القومي ويساوي بين المسلمين حيث لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى فهل هناك دين آخر يدين به غالبية السكان ويعترف بجميع الأديان الأخرى ويتيح حل مشكلة الصراع العرقي غير الإسلام الذي لا يعترف بالقوميات فقط ولكن بجميع الرسالات السماوية الأخرى أيضاً.
أما «العروبة» فهي الحل لمشاكل الأقليات الدينية.. كيف؟
إن العروبة تجمع العربي المسلم مع العربي المسيحي مع غيره من العرب برباط القومية، وبالتالي يكون بين أبناء الرسالات السماوية رابط يجمع بينهم وهو النسب إلى الثقافة العربية الذي تمثله القومية العربية وهو بهذا يكون إطاراً جامعاً للأقليات الدينية. والعاصم الذي يجب ان يمنع القومية العربية من الطغيان على الأقليات القومية هو الإسلام الذي يساوي بين القوميات.
كما ان العاصم الذي يمنع الدين من الطغيان على الأديان الأخرى هو الإسلام نفسه الذي يمنع الظلم.. أي ظلم ويحرم العدوان.. أي عدوان. والذين يرون أن العروبة هي إطار هذه الأمة بغير الإسلام، نقول لهم عروبة «أبو جهل» أم عروبة «محمد» صلى الله عليه وسلم أي عروبة تريدون؟!
كاتب مصري