لا تعدم أن تجد أخباراً طيبة تبهج النفس عن العراق تنقلها وكالات الأنباء في وسط هذا السيل العارم من الأخبار المثبطة للهمم، التي تصور الأشلاء البشرية وقد تناثرت على جنبات الطرق، والثكلى وهن يلطمن الخدود ويشققن الجيوب. ولعل من الأخبار السارة هو عودة 40 في المئة من منطقة الأهوار إلى حالتها الطبيعية بفضل منحة قدمت من اليابان ومن منظمات عالمية مهتمة بالبيئة.

هذه العودة إلى التوازن البيئي لم ترافقها عودة إلى التوافق السياسي، منذ العاشر من أبريل العام 2003. ولعل أبلغ صورة من صور عدم التوافق قد تجلت يوم الأحد الماضي 28/8 حينما التأم شمل الجمعية الوطنية لإقرار مسودة الدستور بغياب رئيسها حاجم الحسني وعدم مباركة العرب السنة لها. وقد سبقت تلك العملية جهود حثيثة للتوافق ذهبت أدراج الرياح، وتم تأجيل اجتماع الجمعية الوطنية غير مرة للوصول إلى إجماع دون جدوى.

والاضطراب على أشده في «البيت العربي» مقابل «البيت الكردي» الذي ينعم بالتوافق والانسجام. فقد حقق الأكراد كل ما يصبون إليه تقريباً، وقد باتوا قاب قوسين أو أدنى من تحقيق حلمهم التاريخي بدولة مستقلة، وما يَحُول دون ذلك الظروف الإقليمية فحسب. فقد وحدوا صفوفهم وأصبح إقليمهم يتمتع بهيئات سياسية منتخبة بقيادة مسعود البارزاني. وهم يترأسون العراق الجديد بشخص جلال الطالباني، ومناطقهم يسودها الأمن والنظام إلى حد كبير وتتمتع بخدمات معقولة وهي في تطور وازدهار اقتصادي.

فقبل 6 ـ 7 سنوات من الآن (كما يحكي أحد السماسرة لجريدة الشرق الأوسط 13/8) كان بالإمكان شراء قطعة أرض في منطقة راقية بالسليمانية بمساحة 200 متر مربع بقيمة ألف دولار، أي بدولارين للمتر المربع الواحد، أما الآن فقطعة الأرض تلك تساوي 100 ـ 150 ألف دولار!! وشيوع التسامح الديني، الذي تفرضه السلطة القائمة أمر ملاحظ في تلك المنطقة، يغبطهم عليه أهل المنطقة الوسطى والجنوبية من العراق.

أما «البيت العربي» فيضطرم اضطراماً ويسوده التوجس والخيفة بعضه من بعض. فمظاهرة بعقوبة يوم الجمعة الماضي التي حمل المشاركون فيها صور الرئيس المخلوع صدام حسين تزيد هواجس الشيعة من عودة «البعث الصدامي» وبالتالي يزداد تمسكهم باجتثاثه وبعدم عودة الدولة المركزية لسابق عهدها.

وعمليات المداهمة التي تقوم بها قوات وزارة الداخلية التي يترأسها بيان جبر وهو من المجلس الأعلى للثورة الإسلامية تثير الحنق الطائفي لدى السنة. فكما تقول إحدى المواطنات من هذه الفئة لمراسلة جريدة الكرستيان سينس مونيتور (24/8) فإن أي شخص برئ قد يعتقل من قوات وزارة الداخلية بمجرد الوشاية.

وليس الشقاق قائماً في «البيت العربي» على أساس طائفي فحسب؛ بل هو أيضاً قائم بين أبناء الطائفة الواحدة. فمسألة الفيدرالية شقت الشارع الشيعي ونجم عنها معارك امتدت إلى أكثر من مدينة في الجنوب وعلى رأسها النجف، بين أنصار الصدر وأنصار المجلس الأعلى بقيادة عبد العزيز الحكيم. وقد خلفت تلك المعارك قتلى وجرحى وتلفاً في الممتلكات فضلاً عن الضغائن.

وتعرض ثلاثة من أنصار الحزب الإسلامي كانوا يعلقون يافطات في حي بالموصل تدعوا للمشاركة في الاستفتاء إلى الخطف على أيدي تكفيريين حيث قاموا بقتلهم رمياً بالرصاص وهم يصرخون هؤلاء خوارج!! وفي القائم دخلت عشيرتان في معارك مسلحة، إحداها توالي تنظيم القاعدة والأخرى تناوئها.

والواقع أن المجتمع العراقي يمر بمخاض عسير منذ تغيير النظام ليس فقط على الصعيد السياسي بل وأيضاً على المستوى الثقافي وما تحمله الثقافة من عناصر رمزية ذات دلالات معينة، إذ أخذ هذا المجتمع يعيد النظر في ركام ثقيل من إرث ثقافي استبدادي يمجد الفرد، جثم على صدره عقوداً طوالاً.

تكتب هدى حسين مقالة مهمة في الشرق الأوسط (15/7) تحت عنوان: «العراق.. إعادة كتابة تاريخ أمة» توضح فيها أن مفاهيم «كالحرية والديمقراطية وحق الفرد في الانتخاب» لم تكن «بالمفاهيم الواردة على طلبة العراق ضمن المناهج القديمة، بينما أخذت تلك المفاهيم صفحات مهمة في مناهج اليوم».

والمناهج الجديدة تتحدث بصورة مختلفة عن الفرس وعلاقتهم بالأمة العربية وعن الحرب العراقية الإيرانية ودور حزب البعث وشخصية صدام. وهي تركز على ثورة 23 يوليو 1952 وتأثيرها في الوطن العربي بدلاً من الحديث السابق عن انقلاب البعث في العام 1968!!

ولا يقتصر الأمر على ذلك، بل شملت تلك المناهج كما تقول هدى حسين على إرجاع الأسماء الأصلية لكثير من المدن (وهذه لها دلالات رمزية) مثل «الديوانية» وكان اسمها في زمن صدام «القادسية» و «كركوك» وكان اسمها «التأميم» و«وهور الحمار» والمصب العام الذي كان اسمه «نهر صدام» و«ميناء البكر» الذي استعاد تسميته القديمة وهو «الميناء العميق».

وقد يكون عدم التوافق الذي لم يستطع العراقيون تحقيقه حول مسودة الدستور «ضارة نافعة». فلإسقاط هذا الدستور يستلزم رفض ثلثي الناخبين في ثلاث محافظات، وهذه متوفرة عند الذين قاطعوا الانتخابات في أول مرة، وبالتالي سيشجعهم ذلك على تسجيل أسمائهم في السجلات الانتخابية والتوجه إلى صناديق الاقتراع بكثافة في منتصف شهر أكتوبر المقبل، بمعنى آخر ستدفع الرغبة في إسقاط مسودة الدستور الحالية انخراط العرب السنة في العملية السياسية.

ونجاحهم في عدم تمرير تلك المسودة معناه نجاحاً للفئات المعتدلة في الوسط السني، وتلقائياً انحساراً لقواعد مؤيدي النظام السابق والتكفيريين الذين ما زالوا يرفضون العملية السياسية ويهددون من يسير في ركابها. وهذا يفتح المجال واسعاً أمام انتخاب جمعية وطنية جديدة لوضع الدستور تكون ممثلة تمثيلاً حقيقياً لجميع مكونات الشعب العراقي.

عندئذ سيوضع دستوراً للعراق يكون معبراً بحق عن توازن القوى الموجودة داخل المجتمع العراقي.إن العراقيين على وجه العموم والعرب منهم على وجه الخصوص بحاجة إلى مصالحة وطنية تقوم على أساس «المصارحة». ولو قبل العراقيون جميعاً نتائج صناديق الاقتراع حكماً وفيصلاً فإنهم سيكونون بذلك قد ركبوا على السكة الصحيحة.

كاتب كويتي

alyusefi@hotmail.com