من المفارقات التاريخية أن الرابع من يوليو لا يوافق فقط ذكرى استقلال الولايات المتحدة عن بريطانيا، بل انه أيضا اليوم الذي تحيي فيه الفلبين ذكرى تحررها من الاحتلال الأميركي. الأميركيون أعلنوا عن تحررهم من الاستعمار البريطاني عام 1776، والشعب الفلبيني استرد حريته وتخلص من الحكم الأميركي عام 1946.

ولكن هناك فرق بين تحرر شعب من احتلال أجنبي وهو ما ينطبق على الفلبين، وتحرر مهاجرين أو بالأصح مستوطنين من استعمار ينتسبون في الأصل إليه، وهذا هو حال الولايات المتحدة. فشعبها الذي ناضل من أجل الاستقلال هو في الأصل قادم إلى الأرض الأميركية من الساحل الشرقي الأوروبي إلى الساحل الغربي للمحيط الأطلسي الذي يسمى بالعالم الجديد.

ولذلك يطلق على الثوار الذين حملوا راية الاستقلال الأميركي عن بريطانيا بالمستوطنين أو المستعمرين - ٌَُُيََُّّّ - وهذا الاسم تستخدمه كتب التاريخ الأميركي والموسوعات التي تتناول مراحل تطور الدول والشعوب.

فالأرض التي استوطنوا عليها من غرب الأطلسي حتى شرق المحيط الهاديء، هي أرض الهنود الحمر الذين انقرضوا على يد البيض النازحين من أوروبا إلى العالم الجديد الذي وصفه الأميركيون فيما بعد بأنه أرض الأحلام.

بدأت فصول الاستقلال الأميركي من فيلاديلفيا بولاية بينسلفينيا من خلال ما سمي بالمؤتمر القاري الذي تبنى قضية الاستقلال عن بريطانيا العظمى وملكها جورج الثالث الذي عاصر كل مراحل الثورة الأميركية التي اندلعت من عام 1775 ولم تخمد نيرانها إلا في عام 1783. سبق المؤتمر القاري عشر سنوات من نضال المستوطنين الأميركيين ضد قوانين بريطانيا.

وكان أشهرها ما سمي بقانون الطوابع أو الدمغة ``` Stamp Act ```` وهو قانون ضرائب يجبر سكان المستعمرات الأميركية على الالتزام به، إذ عليهم أن يشتروا الطوابع كضريبة على المكاتبات أو المطبوعات. وشن المتضررون من القانون حملة احتجاجات ضخمة أجبرت بريطانيا على إلغاء القانون عام 1766.

ظلت الأمور أشبه بحالة هدنة مضطربة، ولكن تفجر الموقف تماما بعد أن استأنفت بريطانيا مسلسل القوانين التي أثارت موجة احتجاجات ضخمة.

أصدر الانجليز ما سمي بقانون «الشاي » عام 1773 فاشتاط المستوطنون الأميركيون غضبا. اذ إن القانون صدر لإنقاذ شركة الهند الشرقية بمنحها حق احتكار تجارة الشاي الأميركي. واندلعت موجة سخط أميركي في بوسطن تحت مسمى «حفل الشاي» أو ـ Boston Tea Party ـ وهو بمثابة ثورة أو تمرد على سياسة بريطانيا القمعية ضد المحتجين الذي يرفضون قوانين الضرائب. فقد أغرق الأميركيون سفينة شاي في ميناء بوسطن، وأطلقوا على ما حدث بحفل الشاي.

توالت اجتماعات الثائرين الذين أجبروا الانجليز على إلغاء القوانين التعسفية. ثم بلغت ذروة الاحتجاجات بانعقاد المؤتمر القاري في الثاني من يوليو 1776 والذي خصص لإعلان الانفصال عن بريطانيا. وبعد يومين من جلساته أعلن أعضاء المؤتمر الاستقلال.

وكان من نجوم هذا المؤتمر الثائر جورج واشنطن الذي قاد ما سمى بالجيش القاري وتزعم ثورة التحرر وكان أول رئيس للولايات المتحدة منذ 1789 حتى عام 1797. كان من النجوم أيضا جون آدامز ثاني رئيس لأميركا الذي رافق واشنطن في رحلة التحرير.

إعلان الاستقلال في الرابع من يوليو 1776، لم يكن نهاية المطاف، بل بداية الطريق نحو الحرية، حيث استمر الصراع الدموي بين الانجليز والمستوطنين الأميركيين لمدة خمس سنوات وهو ما عرف بحرب الاستقلال التي أثمرت عن إلحاق الهزيمة ببريطانيا في معركة يوركتاون عام 1781. وبعد عامين وقع الجانبان معاهدة باريس التي تعترف باستقلال أميركا عن بريطانيا.

لتبدأ بعد ذلك فصول بناء الولايات المتحدة كدولة مستقلة لها سيادتها الكاملة على أراضيها ولها دستورها الذي تمت الموافقة عليه عام 1788. الأميركيون الذين تفاخروا بنضالهم من أجل الحرية والاستقلال، استكثروا على الشعوب الأخرى حقهم في السيادة على أراضيهم. بعد أن بنوا بلدهم المتسع المساحة والأشبه بقارة، اتجهوا إلى توسيع دائرة مصالحهم خارج الحدود.

وكشفوا عن أطماعهم في ثروات الآخرين منذ نهاية القرن التاسع عشر. خير مثال على ذلك هو استيلاؤهم على الفلبين. كان ذلك في عهد الرئيس الأميركي وليم ماكنلي الذي يعد أول رؤساء أميركا الذين سعوا إلى بسط نفوذ بلاده إلى خارج الحدود الأميركية. في عصره استولى الأميركيون على جزر هاواي. ثم امتد بصره إلى جزر الفلبين، وينقل عنه أنه قال ان ذهاب أميركا إلى تلك الجزر كان بناء على بشرى أتته في منامه!

استولى الأميركيون على الفلبين بعد أن ألحقوا الهزيمة بالأسبان الذين أطلقوا اسم الملك فيليب الثاني على هذا البلد الآسيوي بعد أن اكتشفه الرحالة ماجلان عام 1521 وظل تحت قبضتهم حتى أواخر القرن التاسع عشر.

بعض سجلات التاريخ تشير إلى أن الأسبان ـ بعد أن استعمروا البلاد لمدة تزيد على ثلاثة قرون، باعوا الفلبين للأميركيين مقابل خمسة ملايين دولار عام 1898. وهناك معاهدة أميركية أسبانية أطلقت يد الأميركيين في الفلبين.

استمر الاستعمار الأميركي لمدة 47 عاما. وكانت الفلبين التي استقلت عن الولايات المتحدة في الرابع من يوليو 1946 باكورة الغزوات الأميركية خارج الحدود والتي لم تنته فصولها حتى الآن .