قيل، والعهدة على الناقد رجاء النقاش، أن داود باشا حاكم العراق خلال الحقبة العثمانية شعر بضجر شديد وضيق أشد من العبارة المأثورة والجملة المصونة في مناهج التعليم الابتدائي وهي «ضرب زيد عمرو» فما كان من الباشا إلا أن أمر جميع النحاة اللغويين وبلغاء اللغة أن يبحثوا عن سر ضرب زيد المستمر لـ «عمرو».. لم يأخذ المكلفون بالبحث المسألة بشكل جدي.

فماطلوا الحاكم، حتى ازداد غضبه لهذا التجاهل، فأمر بوضعهم جميعا في السجن متوعداً بعدم خروجهم حال عدم تمكنهم من حل هذه الإشكالية.. ومع مرور الأيام استشعر الرجال جدية داود باشا في تنفيذ وعيده، وعندما وصلو إلى مخرج من هذا المأزق طلبوا مقابلته وقالو له:

ياباشا المسألة تكمن في أن هناك شخصاً اسمه «عمر» كان يريد تغيير اسمه فسرق من حضراتكم حرف «الواو» لكي يصبح اسمه «عمرو»، وعندما لم يفهم الباشا مقصدهم، استطرودا:

الأصل في اسمك ياباشا هو وجود «واوين» فكان يكتب «داوود» والآن يكتب «داود» فلما علم زيد بهذه المؤامرة ضد اسمكم المبجل قام بضرب «عمرو» على ارتكابه هذه الجريمة واجتزائه على حرفكم. سكت الباشا ولم يعلق، لكنه أفرج عنهم.

هذه الحكاية التي تلخص مدى بطش الحاكم في إشغال نخب بلاده في مسائل مضحكة، ومشكلات مصطنعة ذكرتنا بها زيارة كندوليزا رايس وزيرة الخارجية الأميركية للمنطقة. فقد صدمت على إحدى الفضائيات العربية العريقة بوجود تحليلات تفكيكية وبنيوية عميقة عن حركات الأيدي ودلالاتها السياسية والأمنية لدى السيدة السمراء وسادتنا أيضاً.

والعجيب أن ترى جدية وصرامة على وجه المحلل السياسي أو بالأصح خبير الإشارات الذي زف إلينا بشرى التحول الدراماتيكي في سياسة الولايات المتحدة تجاه العرب لمجرد عدم رفع سبابة سعادتها في وجه المتلقين والمتابعين لخطابها الانقلابي (!!).

أسارير وجه «المليحة السمراء» وحركات يديها «المؤجلة» بددت مخاوفنا من هز الكراسي وإحراج الأنظمة بالإملاءات الإصلاحية، حلت مشاكلنا مع الرهبوت الأميركي بعد أن فزنا بالرغبوت الحركي في أصابع كوندوليزا رايس.

من المهين ان يضع غيرنا اطمئناننا بالطريقة التي يريدها، وأن يضع حركاته وسكناته كمرجعية لتقييم الشأن الداخلي عندنا، وأن يختزل بؤرة انشغالنا بالرقص الإيقاعي للأصابع، وربما الأرجل بعد حين.

إذا كان داود باشا قد أقام الدنيا ولم يقعدها لحين الانتهاء من مشكلة حرف «الواو» فهو في نهاية الأمر كان يأمر رعاياه ويتعامل بالطريقة التي يحبها مع شعبه، لكن المأساة الآن أن أحداً لم يطلب منها تحليل مستقبل أمة عبر سبابة رايس.

يقول علماء اللغة ان الرسائل القديمة التي كانت ترفع إلى الحكام والولاة. وتفتتح بعبارة «إلى جنابكم» كان يقصد بـ «الجناب» هو حديقة قصر الحاكم، وكانت الكلمة تذكر تنزيها وترفعا من أن يلمس الحاكم مطالب رعاياه بيده. فهل سيأتي يوم نرفع فيه مطالبنا ورجاءنا إلى حضرات الأصابع وبين «واو» الباشا وسبابة كوندوليزا ياقلب عليك ان تلطم!!